الأثنين 19/10/2020

مع اقتراب تتويجها لعقدها الرابع, موقع صمود يعيد طرح السؤال : هل شكلت مؤسسات الدولة الصحراوية بديلا للعدمية السياسية, و انجزت القطيعة مع ذهنية الامتيازات و اقتصاد الريع ؟

منذ 5 سنوات في 07/يناير/2016 20

أمام ارادة الاخضاع بالقوة او الابادة والنفي, وارادة الحفاظ على الواقع المرفوض, زاوجت المقاومة الصحراوية المعاصرة منذ انطلاقتها بين هدفي التحرير والبناء, فكان رهانها الاكبر على ارساء اسس وحدة وطنية تقوم على مبدا الانصهار في كيان الشعب باعتباره مصدر القوة الضامنة للتحرير والبناء, فحققت تحت ضغط واقع الاحتلال المرير وجودها, وضمنت مقومات صمودها, واسباب استمراريتها, فانبثق البناء المؤسساتي من رحمها معلنا بداية القطيعة مع مرحلة العدمية السياسية, وذهنية الامتيازات واقتصاد الريع.
فهل تمكنت المقاومة الصحراوية من حماية مكاسبها الوطنية, وترسيخ اسس البناء المؤسساتي للدولة الصحراوية التي تقترب من تتويج عقدها الرابع , ام ان الطريق لازالت محفوفة بالمخاطر؟ .
موقع “صمود ” يفتح النقاش حول هذا الموضوع , محاولا الاجابة عن السؤال التالي : هل شكلت مؤسسات الدولة الصحراوية الفتية فعلا بديلا للعدمية السياسية , و هل انجزت القطيعة مع ذهنية الامتيازات واقتصاد الريع عبر تحقيق العدالة الاجتماعية وتكريس مبدا سيادة القانون ؟

رغم ان جبهة البوليساريو التي تقود الشعب الصحراوي في حربه التحريرية، لم تتمكن بعد من امتحان قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بفرض جلاء الاستعمار، وبناء الدولة الصحراوية المستقلة التي ستتجسد فيها طموحات الشعب الصحراوي في الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية والمساواة ، الا انها استطاعت في ظرف وجيز ان تولد زخما ثوريا زعزع البنيات العتيقة، واوجد البدائل السياسية والتنظيمية لاخراج الصحراويين من مجاهل التشرذم الى فضاءات الوحدة، ومن العدمية الى الوجود، وتوج بالاعلان عن تاسيس الدولة الصحراوية .
فهل اعلان الدولة الصحراوية يفرض طرح سؤال جوهري حول طبيعة مؤسساتها، و مدى استجابتها لتطلعات الصحراويين بشكل عام واللاجئين منهم بشكل خاص، ام ان الوقت لم يحن بعد ؟
ان الاجابة على هذا السؤال تقتضي منا ان نستحضر ولو بايجاز الظروف التي ادت الى الاعلان عن تاسيس الدولة الصحراوية، والشروع في بناء مؤسساتها بارض اللجوء.
لقد فرض الفراغ السياسي والاداري الذي خلفه الانسحاب الفوضوي للاستعمار الاسباني من الصحراء الغربية، و النزوح الجماعي للمواطنين الصحراويين الفارين من امام الغزو المغربي والموريتاني، وضعا جديدا تعاملت معه جبهة البوليساريو باتخاذ مجموعة من التدابير المستعجلة من ابرزها : حل الجمعية العامة، تاسيس المجلس الوطني، الاعلان عن الوحدة الوطنية، الاعلان عن الدولة الصحراوية وتاسيس اول حكومة صحراوية .
ورغم ان اعلان الوحدة الوطنية واعلان الدولة الصحراوية على التوالي، قد اعتبرا في ذلك الوقت مجرد معالجة مفروضة لوضع سياسي واداري مستجد، الا انهما كانا بابعادهما السياسية والتنظيمية يسهمان في ترتيبات وضع جديد ستتحدد معالمه مع الوقت ويفرض وجوده على الارض.
فاعلان الوحدة الوطنية الذي جاء ليؤكد اجماع الصحراويين على مقاومة الاستعمار بقيادة الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وواد الذهب، كان ايضا يرتب لبعد جديد وشامل لمفهوم الشعب الصحراوي ، مثلما كان اعلان الدولة الصحراوية يتجاوز التاكيد على وجود مؤسسات صحراوية شرعية بديلة للاستعمار, والبحث عن اعتراف دولي بها ، الى بناء مؤسساتها ولو في ظروف استثنائية بارض اللجوء, تستجيب لمتطلبات الصحراويين وتعمل على تاطيرهم اداريا وسياسيا وصولا بهم الى شعب واعي ومنظم قادر على فرض وجوده, بعيدا عن اية وصاية من اي كان .
ان الدور الفعال الذي لعبته مؤسسات الدولة الصحراوية منذ تاسيسها في تاطير الصحراويين في اللجوء, وتنظيمهم اداريا وسياسيا، وتلبية حاجياتهم الملحة من تغذية وعلاج وتعليم وتامين، جعلها تحظى بمكانة متميزة وثقة عالية اهلتها لتكون رائدة في عملية ادماجهم السريع في الحياة المدنية، والتخفيف من اثار وتداعيات المرحلة الانتقالية التي يمرون منها .
لقد اصبح الصحراويون في ظرف وجيز مندمجون اراديا وفعليا في كتلة واحدة تسمى الشعب الصحراوي، وانتقلت الوظائف الاجتماعية “للقبيلة” بطريقة سلسة الى مؤسسات الدولة الصحراوية التي حظيت بثقة المجتمع، بعد ان ادرك دورها الفعال في تامين افراده وتكوينهم وتاهيلهم ، فامتثل الجميع للقوانين والاجراءات المعمول بها، وسادت قيم التضامن والايثار والاستعداد للتضحية والاحترام المتبادل وانعكست على سلوك الافراد والجماعات على اختلاف شرائحهم ومستوياتهم .
لقد كانت جبهة البوليساريو مدركة تماما للتحديات الكبيرة التي يطرحها الارث الثقيل الذي خلفه المستعمر، مثلما كانت واعية لاستحالة التخلص منه دون ان تكون له اثار سلبية عميقة، لذلك كان التعامل مع المجتمع الصحراوي بالكثير من الحذر خصوصا وهو يعيش مرحلة انتقالية من تنظيم القبيلة الى تنظيم الدولة.
فالقبيلة التي حاول الاستعمار ان يجعل منها رمزا للتفرقة واداة لتدمير اي بناء سيشكل بديلا لها ، استطاعت جبهة البوليساريو ان تتعامل معها بذكاء من خلال الفصل بين القبيلة و القبلية، القبيلة كتنظيم اجتماعي وطني بامتياز، والقبلية كايديولوجية استعمارية تكرس التفرقة والتخلف، فنبذت هذه وتجاوزت تلك.
ان تجاوز دور القبيلة كتنظيم اجتماعي لم يعد قادرا على مواكبة متطلبات العصر من تعليم وتكوين وتامين وغيرها يعتبر تجاوزا تلقائيا وطبيعيا ، حيث اخذت المؤسسات الوطنية مكانتها من خلال قدرتها على الاستجابة لمتطلبات الشعب الصحراوي بمفهومه الجديد والشامل ، وحتى لا يكون هذا التجاوز تنكرا او اقصاءا للقبيلة اوتجاهلا لدورها التاريخي، احتفظت لزعاماتها وقياداتها التاريخية بمكانة متميزة ضمن مؤسسة المجلس الوطني, تلك المكانة التي ستاخذ بعدا اشمل واعمق من خلال المجلس الاستشاري الذي سيلعب دورا بارزا في عملية تحديد الهوية, ولكن ايضا سيكون مرجعية بنصائحه وتوجيهاته المباشرة وغير المباشرة للقيادة وللاطر ولجميع المواطنين بما يحفظ تماسك المجتمع ويقوي لحمته .
ان هذه الرؤية الاستراتيجية بكل المقاييس هي التي جعلت الصحراويين في كل مكان ينخرطون تلقائيا في جبهات الفعل والنضال بتاثير فكر الثورة او بفعل الاحتلال، وجعلت الدولة الصحراوية كبديل لواقع استعماري مرفوض تتحول الى طموح لكل الصحراويين بالمعنى الشامل, مستعدين لتقديم الغالي والنفيس من اجل تجسيده على الارض، وسافتح هنا قوسين للاشارة « الى ان تلك الرؤية التي قادت بالامس المقاومة المسلحة بمشاركة كل الصحراويين وصنعت امجاد الشعب الصحراوي بمفهومه الجديد والشامل ، هي التي توجه وتؤطر المقاومة السلمية اليوم في جبهة الارض المحتلة, وهي التي اوصلت الصحراويين رغم التقسيم والتشريد الى هذا الاجماع الوطني الذي لم نشهد له مثيلا من قبل، اجماع على مقاومة الاحتلال وبناء الدولة الصحراوية » .
فماهي التحديات التي واجهت البناء المؤسساتي على الارض ؟
قد يكون من اكبر التحديات التي واجهت مؤسسات الدولة الصحراوية في اللجوء منذ البداية, هو التداخل بين اداتها وبرامجها وامكانياتها, و بين اداة وبرنامج وامكانيات الخلايا و الفروع، هذا التناقض اخذ يتسع ويتطور ويتجذر مع النمو المطرد للسكان, والحاجة الى المزيد من الخدمات التعليمية والصحية والتغذوية والامنية وغيرها.
ومع وقف اطلاق النار، دخلت تطورات جديدة من اهمها تنامي نسبة الرجال بالمخيمات بسبب توقف المعارك, والمدارس العسكرية التي كانت تقوم بتدريب الشباب وتاهيله، وانفتاح المخيمات شرقا وغربا على دول الجوار ، وظهور التجارة الحرة, وسيطرت نظام السوق، وما رافق ذلك من اشاعة قيم وعادات استهلاكية لا تتناسب مع اوضاع اللاجئين، ادت الى بروز تفاوت اقتصادي واجتماعي بين العائلات، كانت له اثار سلبية في اوساط الراي العام الوطني، هذه التطورات والمستجدات اضافت اعباءا ومسؤوليات جديدة في مجال التاطير و الخدمات, ليبرز التناقض من جديد متسترا على طابعه المادي, على شكل صراع بين السياسي والاداري تارة, والفصل والدمج تارة اخرى على المستوى المحلي والجهوي, وعلى شكل صراع بين الحركة والدولة على المستوى المركزي متسترا على طابعه السياسي, هذا الصراع كاد ان يخلق انقساما عموديا للاطر المسيرة مركزيا وجهويا ومحليا .
لقد شكلت هذه التحولات والتطورات المرافقة لها، مؤشرات على بداية الدخول في مرحلة جديدة تتطلب التعاطي معها بحزم, من خلال حسم الاشكاليات المطروحة من الناحية النظرية، ورغم الجهود المعتبرة التي تم القيام بها في اطار ما سمي انذاك بخلية التفكير، توازيا مع عمل اللجنة التحضيرية للمؤتمر الشعبي العام التاسع، الا ان اشكالية الحركة الدولة التي تستبطن حمولات سياسية وايديولوجية, استعصت على الحسم، و ادخلت المنظمة في موقف حرج لازالت الى الان رهينة له، تارة باللجوء الى الدمج وتارة اخرى باللجوء الى الفصل، بالرغم من ان الاثار السلبية لكليهما على الهياكل السياسية والادارية لا حدود لها .
ان الانعكاسات السلبية الخطيرة لما سمي باشكالية الحركة الدولة، وتضافر عوامل اخرى جديدة من ابرزها فعل مخابرات العدو المكشوف، وتعاطي اجهزة الامن المرن معه، اضافة الى العراقيل التي يضعها المغرب في طريق تطبيق الاستفتاء، وعجز الامم المتحدة عن فرض قراراتها ، كلها عوامل اثرت بشكل ملحوظ على التماسك الداخلي للخطاب السياسي، وافقدته بريقه وتاثيره داخليا، بل وادت الى عجزه عن تقديم اجوبة مقنعة للاسئلة الجوهرية المطروحة، وفشله في استعاب واحتواء التحولات الجديدة والعادات والقيم التي رافقتها ، رغم المحاولات المتكررة في هذا الاتجاه، بل وانعكست سلبا على نفسية الفاعلين السياسيين والاعلاميين على حد سواء .
و بالرغم من انه تم عمليا تبنى اولوية الدولة, التي بدات مؤسساتها الدستورية تخرج الى الوجود، وتاخذ مكانتها الطبيعية كالجهاز التنفيذي و القضائي والتشريعي وغيرها من الاجهزة التي شهدت تطورات مطردة ، الا ان الجهاز التنفيذي اظهر منذ البداية عجزه شبه البنيوي عن مواكبة التحولات المتسارعة اقتصاديا واجتماعيا وسياسا وامنيا، بسبب غياب رؤية شاملة تنظر الى الجهاز باعتباره مجموعة من المؤسسات التي تقوم بادوار ووظائف تتكامل في تجسيد الاهداف والمقاصد العامة في كل مجال، ويتاثر بعضها ببعض تاثيرا بنيويا، وليس مجرد مقاطعات او جزر مستقلة بعضها عن بعض.
واذا كانت المؤسسات بشكلها الجديد قد فقدت الهيكل الناظم لسيرها خلال المراحل الماضية, متمثلا في التنظيم السياسي وهياكله، الا ان البديل المتمثل في الجهاز الاداري او التنفيذي اصطدم منذ البداية بغياب رؤية شاملة تمهد الطريق امامه.
ان غياب رؤية شاملة، وحداثة التجربة، وضعف المؤهلات، وقلة الامكانيات، كلها عوامل جعلت الجهاز التنفيذي يتعرض مبكرا للامراض الادارية الفتاكة بدون مقاومة، فاستفحل التصرف في الامكانيات والاموال العامة، وفي الامتيازات التي تمنحها المناصب العليا، في ظل غياب تصور للرقابة التي توزعت بين التنظيم الغائب الحاضر، وبين الرقابة البرلمانية والادارية والقانونية كمؤسسات واليات لازالت في طور التشكل، ومن هنا بدأت الهوة تتسع بين المواطن ومؤسساته التي ترعرعت في كنفه.
فهل اصبح البناء المؤسساتي يستدعي اعادة النظر ؟
لازال حقنا في الوجود يشكل اولوية باعتبار اننا لازلنا نخوض معركة التحرير، فهل نحن على صواب ، و هل هناك فعلا ما يبرر تاجيل فتح نقاش وطني جاد حول البناء المؤسساتي، وما يستدعي من تعديلات تستجيب لتطلعات الاجيال المتلاحقة؟
من الصعب جدا تبرير هذا التاجيل في حالتنا نحن كحركة تحرير تجمع بين هدفي التحرير والبناء !
حقيقة ان البناء المؤسساتي بالمعنى الواسع للكلمة لا يمكن ان يستقيم الا باثبات الوجود، وهذا الاخير مرتبط ايضا بجلاء الاستعمار، ولكن بما ان هناك جزء من الشعب الصحراوي فرض عليه واقع اللجوء ، فان تنظيمه وتوفير شروط الحياة الكريمة له لا يمكن ان يتحقق بالشكل المرضي الا من خلال مؤسسات قوية وفعالة، تناط بها مسؤوليات ادارة شؤونه العامة، بما يضمن العدالة الاجتماعية ويكرس مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان التي نؤمن بها جميعا.
فهل نحن مستعدون لمراجعة مؤسساتنا على اسس الاهمية والاولوية والفعالية, والخروج من جدلية الحركة\ الدولة ؟
بالطبع لايمكن ان نتصور انشاء مؤسسة بدون وظيفة محددة، او بدون هياكل تخصصية وادارية متناسقة ومتكاملة, بمؤهلاتها البشرية وامكانياتها المالية, وضوابطها القانونية وبرامجها وخططها الانية والمستقبلية، مثلما لا يمكن ان نتصور مؤسسات فعالة الا في اطار بنية او نسق تتكامل فيه ادوارها التخصصية والادارية، مشكلة ما نصطلح على تسميته بالجهاز التنفيذي او الادارة الوطنية .
ان المؤسسات من منطلق كونها تؤدي وظائف اجتماعية او سياسية او اقتصادية، تتطلب مؤهلات تتناسب مع طبيعة وظائفها، كما تتطلب امكانيات مالية وتقنية وادارية، هذه الوسائل والامكانيات تستدعي ايضا رقابة ادارية وبرلمانية وقانونية لحمايتها من سوء التوظيف، و تسخيرها لخدمة البرامج المحددة.
ان البناء المؤسساتي هو ضمانة بناء الانسان الصحراوي القوي، الذي نراهن عليه كعنصر حاسم في معركة التحرير التي نخوض غمارها منذ ما يزيد على اربعة عقود ، ولكنه ايضا اداة فعالة لمواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتاطيرها وتوجيهها سياسيا واعلاميا لتصب في مصب تاجيج المقاومة الوطنية ضد الاحتلال ومخلفاته، و بناء مجتمع قادر على مواكبة التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم .
وبالطبع لا يمكن ان نتجاهل الوضعية الاستثنائية التي يمر بها كفاح شعبنا، ولكن هذه المعطاة تعزز بشكل كبير البناء المؤسساتي بالشكل المتعارف عليه، فاذا تعلق الامر بقلة الوسائل والامكانيات، يكون هناك مبرر للصبر والتحمل و الاهتمام بالاولويات التي هي جبهات الفعل والنضال التي ستسرع من جلاء الاحتلال، وبالتالي التجسيد الفعلي للدولة الصحراوية المستقلة، فالظروف الاستثنائية هي في صالح هذا التوجه تدعمه ولا تلغيه.

ان مساهماتكم البناءة في هذا الموضوع يتعهد موقع صمود بنشرها انشاء الله.
العنوان : sumoudsh@gmail.com

0

يجب ان تسجل الدخول لتتمكن من التعليق