السبت 24/10/2020

رأي صمود : هل حسمت مجموعة العمل القضايا الخلافية, أم لازال النقاش بشأنها مفتوحا ؟

منذ 5 سنوات في 18/سبتمبر/2015 35

لا نعتقد ان مجموعة العمل المنبثقة عن الامانة الوطنية خلال دورتها العادية المنعقدة شهر ماي المنصرم, قد تمكنت فعلا من حسم القضايا المطروحة انذاك بحدة, داخل الاوساط الصحراوية الرسمية منها والشعبية, والمتعلقة اساسا بمراجعة العلاقة مع المينورسو, والعودة الى الكفاح المسلح , واستعادة التنظيم السياسي للجبهة لمكانته, وتفعيل دور الرقابة, وغيرها من القضايا التي تشغل اهتمامات الراي العام الوطني.
مثلما لانعتقد انه بعد انتهاء مأموريتها بعرض عملها على الامانة الوطنية في اجتماعها الأخير, ظلت تلك القضايا مطروحة بنفس الحدة .
والواقع أن إدراك مجموعة العمل للمهام المنوطة بها, وحدود مسؤولياتها , جعلها تقطع مراحل عملها سواء خلال النقاش المفتوح مع الهيئات والاطر, او خلال اجتماعاتها المغلقة, بقدر كبير من الانسجام, حيث تمكنت فعلا من إدارة القضايا الخلافية فيما بين اعضائها من جهة, وبينها وبين الهيئات والاطر التي اجتمعت بها من جهة أخرى في هدوء تام, فلم يكن هناك لا يمين ولا يسار ولا وسط, مما أسقط دواعي الاصطفاف ومبرراته, وجعل من مجموعة العمل كتلة واحدة منشغلة بانجاز المهمة الجسيمة الملقاة على عاتقها بنجاح.
وفيما كان يروج البعض, أن تشكيل القيادة السياسية للجبهة لمجموعة العمل, إنما كان بغرض امتصاص غضب الجماهير الصحراوية المستاءة من مآل ما كان يعرف بسنة الحسم, ترسخ الاعتقاد بان وضعية الانتظار الراهنة لم تعد مقبولة, وان هناك ارادة قوية لدى القاعدة الشعبية و لدى القيادة السياسية للجبهة على حد سواء, للخروج منها, بمزيد من الالتحام والوحدة, والتشبث باهداف الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وواد الذهب في الاستقلال , وبناء الدولة الصحراوية المستقلة على كامل التراب الصحراوي.
ورغم أن اللجنة التحضيرية للمؤتمر الشعبي العام الرابع عشر, التي تم تأسيسها في اجتماع الامانة الوطنية الاخير, إرتأت تأجيل النقاش على مستواها الى ما بعد الفضاءات وندوات القطاعات و الندوات السياسية والندوات الجهوية, التي تعتبرها محطات أولية لتوسيعه وتعميقه, بعد ان كان مقتصرا على الهيئات والاطر, إلا ان جانبا من نقاشاتها أعطى الانطباع ببداية التخلص نسبيا من ضغط اشكالية الحركة الدولة, مثلما لوحظ تراجع كبير في حدة الرأي القاضي برفع العلاقة مع المينورسو الى مستوى القطيعة, والشروع في العودة الفورية الى الكفاح المسلح .

إختلاف مخرجات التشخيص, وإأتلاف القواسم المشتركة.

كان نقاش مجموعة العمل المفتوح مع هيئات الجبهة على مختلف المستويات, ومع أطرها العاملة وغير العاملة, قد خلص الى شبه إجماع حول بعض القضايا التي تشغل اهتمامات الراي العام الوطني, وتشكل ممرات اجبارية لأية محاولة جادة تروم الخروج من وضعية الانتظار الراهنة , التي دخلها الشعب الصحراوي منذ التوقيع على اتفاق وقف اطلاق النار 6 سبتمبر 1991.
ورغم اختلاف القراءات لما آل اليه الوضع, و اختلاف سبل المعالجات للخروج منه , الا ان هناك قواسم مشتركة بين الجميع, قد تشكل مؤشرا على إمكانية الوصول الى تشخيص دقيق وموحد للوضع الراهن, يستند الى المعلومات والمعطيات الميدانية, بعيدا عن الخلفيات والاحكام المسبقة, ليشكل ارضية تقوم على اساسها استراتيجية موحدة وشاملة, للخروج من وضعية الانسداد الراهنة بأقل الخسائر.
من ابرز تلك القواسم :
الرهان على الوحدة الوطنية كمكسب تاريخي بالنسبة للشعب الصحراوي قاطبة, والسمو بها فوق كل الحسابات الضيقة, باعتبارها مصدر قوته, وسر وجوده, وضامن عزته وكرامته.
التشبث بالجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وواد الذهب, كإطار جامع لكل الصحراويين المؤمنين بالاستقلال الوطني, وبناء الدولة الصحراوية المستقلة دولة كل الصحراويين, والمنظم لطاقاتهم والمنفذ لسياساتهم على مختلف المستويات.
شبه إجماع حول صعوبة الظرفية الراهنة, وإستحالة التعاطي معها بنفس الأساليب والصيغ المعمول بها حاليا, إن على المستوى الهيكلي أو المستوى التنظيمي.
الشعور العميق والمتأصل في وجدان وقلوب الصحراويين, بالتقدير والاحترام للشعب الجزائري ولقيادته, على دعمهم اللامشروط لكفاح الشعب الصحراوي المشروع عبر مختلف مراحله.
ومن بين اهم تلك القضايا التي استأثرت باهتمامات الراي العام الوطني, وشغلت الأطر على مختلف المستويات, واخذت الحصة الاكبر في النقاش سواء خلال جلسات مجموعة العمل, او خلال لقاءاتها مع الهيئات والاطر, او خلال جلسات اللجنة التحضيرية للمؤتمر, هي قضية التنظيم السياسي الذي يجمع القاصي والداني على ضرورة تفعيل دوره, باعتباره ممرا اجباريا لاية محاولة جادة تروم الخروج من وضعية الانتظار الراهنة, والتخلص من تبعاتها .

التنظيم السياسي كممر إجباري نموذجا :

رغم رسوخ الاعتقاد بكون التنظيم السياسي للجبهة هو الاطار الجامع لكل الصحراويين, الرافضين للاحتلال المغربي والمستعدين للتضحية بالغالي والنفيس من اجل استقلالهم الوطني, وبناء الدولة الصحراوية المستقلة, وبانه هو المؤطر والناظم والموجه لجهودهم وطاقاتهم لتحقيق تلك الاهداف مهما تطلب ذلك من ثمن, الا ان هناك من يرى بان مؤسسات الدولة الصحراوية, هيمنت على كامل صلاحياته, ليتحول مع الزمن الى مجرد حزب مرتهن للظرفية التي يمر بها, بسياساتها وتوجهاتها وربما آفاقها المستقبلية.
هذا الرأي الذي ينطلق من تشخيص لمرحلة ما قبل وقف اطلاق النار, يرى ان التنظيم السياسي للجبهة كان هو المحرك الاول لدوالب الفعل على مختلف المستويات, وكان المصدر الاول لكل القرارات التي ترسم السياسات على مختلف الاصعدة, وتختار الاداة المناسبة لتنفيذها, وكان ايضا الراعي الاول لكل مجالات الفعل وساحاته, والمسير الاول للمؤهلات والمدبر الاول للامكانيات.
و بعد دخول وقف اطلاق النار حيز التنفيذ, بدأت مؤسسات الدولة تقتطع من صلاحياته, وتحد من تدخلاته, مما ادى الى تراجع دوره كناظم ومؤطر وموجه للفعل في مختلف ساحاته, لحساب أدوار متعددة ومتفرقة لمؤسسات الدولة, القائمة اصلا على التقطيع الاداري والمحاصصة, حتى وصل في انحداره حد تعطيل دوره شبه الكامل في التاطير وفي التنوير والتثوير.
لقد شكل هذا التشخيص لواقع التنظيم السياسي للجبهة, أساسا لبروز اشكالية الحركة الدولة, التي تستبطن نوازع وخلفيات سياسية تغذي الانطباع باستحالة الجمع بينهما.
في حين يرى رأي آخر, ان التنظيم السياسي للجبهة كان ولا يزال مصدرا لكل القرارات, وان مرحلة وقف اطلاق النار, رغم انها فرضت ديناميكية جديدة اقتضت تفعيل مؤسسات الدولة لتستجيب لمتطلبات المرحلة, الا ان التنظيم السياسي ظل قائما وفعالا.
بدليل ان المؤتمر الشعبي العام للجبهة, هو الذي يحدد السياسات من خلال برنامج العمل الوطني, ويقر القوانين من خلال الدستور والنظام الاساسي للجبهة, وينتخب القيادة السياسية بداءا بالامين العام للجبهة, وانتهاءا بالامانة الوطنية, هذه الاخيرة تشكل مكتبها الدائم برئاسة امينها العام الذي يشغل منصب رئيس الدولة, وتعمل على وضع السياسات التي أقرها المؤتمر حيز التنفيذ.
هذا الرأي يستند الى تشخيص لمرحلة ما قبل وقف اطلاق النار, ينطلق من اعتبارها مرحلة حرب, لها خصوصياتها المنبثقة من وضعها الاستثنائي الذي يختلف كليا عما اصبح عليه الحال بعد وقف اطلاق النار, حيث اقتضت المصلحة العامة انتهاج سياسة للانفتاح الواعي على المحيط, واعطاء صلاحيات اوسع لمؤسسات الدولة, من قبيل القضاء والتعليم والصحة وغيرها, لتتمكن من احتواء متطلبات الوضع الجديد, سواء المتعلق منها بالتاطير والتاهيل, او بالتسيير والتدبير, وطبيعي ان تترتب عن هذا التعاطي الجديد اشكاليات تتطلب في كل مرة معالجات تكسب مؤسسات الدولة الصحراوية الفتية تجربة ومناعة وترسيخ.
واذا كان النقاش حول هذا الموضوع الحساس لم يحسم بعد بشكل نهائي, بحيث ظل كل طرف متشبثا بتشخيصه للوضع, وتصوره للحل, الا ان الاعتقاد بوجود تناقض بين الحركة و الدولة قد تراجع نسبيا, مع تنامي الشعور باستحالة عودة وصاية التنظيم السياسي على مؤسسات الدولة التي اكتسبت تجربة لا يمكن تجاهلها في ادارة الشان العام داخليا وخارجيا, لينحو التفكير نحو تقوية دورالتنظيم السياسي في التخطيط والاشراف والمراقبة على مستوى مكتب الامانة الوطنية, او في التاطير والتنوير والتثوير على مستوى أمانة الفروع .
والواقع ان التنظيم السياسي للجبهة, ما فتئ يعيش على مستوى امانة الفروع حالة من الركود منذ وقف اطلاق النار, يعزيها البعض الى غياب الحوافز المادية التي دفعت بكوادره الى تفضيل العمل بمؤسسات الدولة, وأدت الى تعطيل التنافس على المناصب التي يتيحها, وفي غياب سياسة محكمة لتدارك المشكل, تم  ملىء الشغور في الغالب باشخاص لا تتوفر فيهم شروط النهوض بمسؤوليات, من حجم تأطير الجماهير وقيادتها.
واذا أخذنا بعين الاعتبار ان الصحراويين المؤطرين في التنظيم السياسي, هم من يضع السياسات للجبهة, ويقر القوانين, وينتخب القيادات, يحضرنا الدور الكبير و الخطير الذي يلعبه الامناء والمحافظون, باعتبارهم الفاعلين السياسيين, الماسكين بدوالب حلقة الوصل الفعالة التي هي أمانة الفروع.
ان ضعف الوعي السياسي لدى عدد كبير من هؤلاء , انعكس على التأطير ببعديه التنظيمي والسياسي, وكان سببا في سوء  اختيار بعض  القيادات القاعدية والعليا, و تدني مفردات  الخطاب السياسي وتناقض محتواه, بل وتراجع تاثيره في التنوير والتثوير, مما ادى الى فتح المجال واسعا  امام خطب مهزوزة محبطة للمعنويات, تغذيها نزعة انهزامية  وعدوانية تجاه اي عمل تنظيمي هادف.
لقد ادى هذا الوضع الى تعويم مفهوم الاطار السياسي, وتقزيم دوره, ليصبح بقوة الانتخاب في متناول المفتقد للكفاءة  والانتهازي,  وربما سيكون من حظ الخائن اذا بقي الوضع على ما هو عليه الان.
وبما ان لقب  الاطار الطلائعي  لا يمنح مجانا,  و لا يطلق على عواهنه,  باعتباره  ثمرة مجهود ذاتي   بناء وهادف وملموس, يقترن فيه القول بالعمل,  ويعكس ارادة قوية لخدمة الاهداف الوطنية  في التحرير والبناء, فان البعض يرى ان انتخاب الامناء, وغياب مدرسة لتاهيلهم, شكلت ضربة قوية للتنظيم السياسي للجبهة , بتشريع ابوابه امام الباحثين عن الالقاب و منتحلي السير الذاتية . 
يقول الشهيد الولي مصطفى السيد : ” من المؤكد ان الاتكال على القاعدة  الشعبية,  سيؤدي حتما الى فرز الاطارات  بين  الانتهازييين  الذين يلتهمون مكاسبها, ويختفون ورائها, وبين  الذين سيصبحون طليعة لها  تعطي ولا تأخذ ”
ويعتقد الجميع ان المخرج الانسب يكمن في التوافق على تشريح دقيق لوضعنا الراهن, يشكل أساسا لبناء استراتيجية محكمة للخروج منه, على المدى القريب والمتوسط والبعيد .
ويبقى اختلاف وجهات النظر حول التشخيص والمعالجات, من عوامل القوة التي من شانها ان تساهم في تضييق مساحة الاختلاف, اذا سلمت من النوازع الذاتية والارضيات الجاهزة والافكار المسبقة.

0

يجب ان تسجل الدخول لتتمكن من التعليق