السبت 28/11/2020

رأي صمود: في الذكرى أل 44 لاستشهاده، نعيد طرح السؤال هل كان الشهيد الولي فعلا ملهما للأطر والقيادات بفكره وتجربته، وقدوة لهم بطلائعيته وتضحياته؟

منذ 6 أشهر في 07/يونيو/2020 212

اٍختط الشهيد الولي مصطفى السيد مفجر ثورة 20 ماي الخالدة, المسلك السالك ووضع الإشارات المحذرة من منحدراته ومنعرجاته, وقاد معركة التحرير ضد الاستعمار الاسباني والاحتلال المغربي والموريتاني, يقول في خطاب الأطر :

” يرتكز الجانب العسكري على مسألتين مهمتين, أولاهما : الاقتصاد في الوسائل أو بالأحرى الدقة في تنظيم الوسائل, والجانب الثاني : هو ديمومة العمل المسلح وهذا مهم جدا ” ويضيف ” يفرض علينا الجانب السياسي ان نستغل استغلالا كبيرا كل عثرات العدو , سواء تلك المترتبة عن عملية مسلحة قمنا بها وكان لها وقع عليه, أو تلك التي تأتي نتيجة تراكم تأثير الكثير من الأعمال التي قمنا بها سابقا, والتي لم يظهر مفعولها على العدو إلا فيما بعد, وهذا سوف يحتم علينا مسألة التخطيط, أي أن عملنا السياسي يجب أن يخضع للتخطيط “.

مثلما قاد معركة البناء مراهنا على القوة الذاتية وعلى العنصر البشري تحديدا, لخلق تنظيم قادر على تطوير وتجديد الأساليب, وتحريك البنيات الراكدة, يقول :

“بطبيعة الحال الوسيلة الأولى التي بدونها لا يمكن الحصول على أي شيء هي خلق القوة الذاتية التي تعتمد أساسا على خلق عنصر بشري من نوع خاص(…)خاصيات الإنسان المطلوب بالنسبة لنا أن يكون إنسانا قادرا على صنع ما يقول الناس انه مستحيلا (…) بعد خلق القوة الذاتية علينا مباشرة خلق التنظيم الذي يجب أن يكون نابعا من وعي حي متجدد حسب المكاسب والمراحل والمتطلبات, وهذا الوعي الحي يجب أن يكون مرتكزا على ما نريد وبعد ذلك على الكيفية التي يمكننا بها تحقيقه “.

لقد راهن الرجل منذ البداية على ربح معركتي التحرير والبناء معا، ليصنع للثورة الصحراوية خصوصيتها وتميزها، وهو الذي استفاد من تراكمات تجربة المقاومة الصحراوية المسلحة على امتداد عقود بل قرون من الزمن، واستقى ممن أدرك على قيد الحياة من قادتها الميدانيين تفاصيلها الدقيقة، واستقوى بالجيل الذي حذا حذوهم، وبرفاقه لشق طريقها السالك برؤية القائد الملم بالأوضاع الإقليمية والدولية.

مثلما راهن على الأطر وعلى رفاقه أيضا لإرساء أسس مشروع الدولية الصحراوية بعد إعلانها.

وبالرغم من انه  استشهد وهو لازال  في مقتبل العمر, تاركا شعبه في بدايات مشواره الكفاحي  يتلمس طريقه في ظل وضع إقليمي ودولي سمته الغالبة التآمر على الشعوب المستضعفة خدمة لمصالحها الضيقة, إلا انه رسم الطريق إلى النصر , وحدد المعركة مع نظام الاحتلال المغربي باعتباره العدو الوجودي للشعب الصحراوي ولكيانه المستقل, بعد ان وضع بمعركة “نواكشوط ” التي قادها بنفسه واستشهد في اتونها , بداية العد العكسي لخروج موريتانيا من حربها ضد الشعب الصحراوي, و لعزلة نظام الاحتلال المغربي إقليميا, التي ستتوسع فيما بعد قاريا ودوليا.

كما شخص واقع الشعب الصحراوي بعناية فائقة، واصفا إياه بالواقع المرفوض، وحدد المخاطر المحدقة بمقاومة الشعب الصحراوي التي تحمل مشروعا وطنيا بديلا، ووضع القبلية في مقدمة تلك المخاطر باعتبارها كما قال:

” اللغم الموضوع تحت إقدامنا والممكن أن ينفجر بنا في أي وقت ”.

لقد اٍستمات رفاقه على الطريق التي رسمها , بالمحافظة على طلائعيتهم في معركة التحرير, وحذا حذوهم جيل الشباب, فصنعوا ملاحم بطولية أدخلت الشعب الصحراوي التاريخ من بابه الواسع مستنيرين بتعليماته وتوجيهاته, وهو القائد العسكري المستطلع لتحركات العدو وسكناته, المتربص بثغراته ونقاط ضعفه, والملم بالوضع الدولي لاختيار الوقت المناسب للهجوم عليه, و استثمار المكاسب الميدانية إعلاميا و سياسيا ودبلوماسيا, مثلما استفادوا من تراكمات تجربة المقاومة الوطنية, خصوصا في المعرفة الدقيقة بمسالك الصحراء ومناخها المتقلب, والقدرة على تحمل مشقاتها من عطش وجوع بصبر لا يضاهى.

وإذا كانت معركة البناء قد اعتمدت بالأساس على رؤيته التي تجلت ملامحها في العديد من خطبه, وبشكل خاص في خطاب الأطر , الذي عكس حرسه الكبير على تبسيطها وتكييفها مع الوضع القائم, بما يساهم في استيعابها وأرجأتها, فان غيابه المبكر, وعدم وجود تراكمات لتجارب مسبقة في مجالات التنظيم و التسيير والتدبير, فتح الباب على مصراعيه أمام اجتهادات فردية, واقتباسات وإسقاطات من تجارب الشعوب المختلفة ظلت فوقية, و لم تتمكن من خلق الأداة القادرة على تجديد الأساليب وتطويرها وفق شروط الواقع المعاش, بما يمكن من زعزعة البنيات العتيقة, التي ظلت تحافظ على تماسكها الداخلي, أمام زخم معركة التحرير, التي أسهمت في تأخير بروز تناقضاتها ونقاط ضعفها, التي ستطفو بحدة على السطح بعد وقف إطلاق النار مباشرة, أن لم يكن قبلها بسنوات.

واليوم تحل ذكراه وشعبنا أكثر إصرارا على انتزاع استقلاله الوطني كاملا غير منقوص، والدولة الصحراوية تحتل مكانتها كعضو مؤسس للاتحاد الأفريقي الذي يشكل قوة اقتصادية وسياسية واعدة، والمجتمع الدولي بدوله ومنظماته يعترف للشعب الصحراوي بحقه في تقرير مصيره واختيار مستقبله بكل حرية، ويضع المغرب في خانة المحتل الغاصب، وحليفنا الاستراتيجي في وضع مريح على المستوى الوطني والإقليمي والقاري والدولي.

وحدها معركة البناء، تشعرنا بأننا لا زلنا في بداية الطريق، وبان مسؤولياتنا كأطر وقيادات، كبيرة وجسيمة، وان الطريق إلى تحقيق “شعب حر، كريم، مستقل، موجود على أرضه” كما أراد الشهيد الولي، لازال طويلا ويستدعي تضحيات جمة، كما تشعرنا بضياع الكثير من الفرص، حين نقارن بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، أو بين طاقاتنا وإمكانياتنا، وبين حصائلنا وانجازاتنا في مضمار البناء، فهل سنسلك الطريق السالك، الذي رسمه ابن الشعب البار، ونجعل من فكره وتجربته ملهما لنا، ومن طلائعيته وتضحياته نموذجا وقدوة؟

0

يجب ان تسجل الدخول لتتمكن من التعليق