الأحد 25/10/2020

رأي صمود : الاجتياح المغربي للصحراء الغربية, ووهم “اللحظة التاريخية ” .

منذ 5 سنوات في 06/نوفمبر/2015 50

تحل الذكرى الاربعين للاجتياح المغربي والموريتاني للصحراء الغربية, لتذكر الباحثين والمختصين الصحراويين قبل غيرهم, بمسؤولياتهم التاريخية في كشف ملابساتها, با عتبارها شكلت لحظة مفصلية, اختزلت الكثير من التطورات, وخلقت وضعا مغايرا لما كان عليه الحال قبلها, بدخول اطراف جديدة في النزاع, والانتقال بالحرب التي كانت على وشك ان تضع أوزارها مع الاستعمار الاسباني, الى حرب مفتوحة مع الاحتلالين المغربي و الموريتاني.
ان تلك اللحظة التي لازال الغموض الكثيف يكتنفها, تخفي اسرارا كثيرة تستدعي جهدا تضامنيا لكشفها,  باستحضار دواعي انسحاب اسبانيا المفاجئ من الاراضي الصحراوية, اذ لا يكفي التحجج بمرض الجنرال فرانكو, او بالاغراءات التي قدمها المحتل المغربي, اذا اخذنا في الاعتبار, ان مسؤولية اسبانيا تجاه الشعب الصحراوي تظل قائمة الى ان يقرر مصيره ويختار مستقبله بكل حرية .
واستحضار اسباب صمت مجلس الامن, والجمعية العامة للامم المتحدة, امام خرق الاحتلالين المغربي والموريتاني للقانون الدولي, بعد اقل من اسبوعين من صدور حكم محكمة العدل الدولية, القاضي بنفى وجود اية روابط بين الشعب الصحراوي وبلديهما, من شانها ان تؤثر على حقه في تقرير مصيره واختيار مستقبله.
وتبقى “اتفاقية مدريد” التي جاءت بعد اجتياح الاراضي الصحراوية باسبوعين, مجرد محاولة لاضفاء ” الشرعية ” على امر واقع, بالرغم من انها فقدت مبكرا مبررات اعتمادها كذريعة من طرف اسبانيا, للتملص من مسؤولياتها بعد انسحاب احد اطرافها الرئيسيين.
ان توجيه اهتمامات الباحثين والمختصين لكشف ملابسات تلك اللحظة المفصلية, من شانه ان يساهم في فضح الداعمين والمساندين لمجازفتي الحسن الثاني والمختار ولد داداه, وذرائعهم و مبرراتهم. وخلفيات الصمت الدولي لخرقهم السافر والمتعمد للقانون الدولي, في ما قد يصنف على انه تواطئ و مؤامرة, في غياب المبررات القانونية والسياسية والاخلاقية, وبالتالي سينسف دون شك, ما تبقى من مبررات وذرائع لدى الحكومة الاسبانية, التي تستند الى ما يسمى باتفاقية مدريد لتبرير انسحابها غير المسِؤول من مستعمرتها السابقة, قبل ان يقرر شعبها مصيره بنفسه, ولكن وهذا هو الاهم ايضا سيفضح الدول والمنظمات التي ورطها الحسن الثاني في تلك اللحظة المفصلية, وكانوا سببا في فتح ابواب الحرب على الشعب الصحراوي واطالة امد معاناته.
وبالتاكيد سيعيد السقوط المدوي لاتفاقية مدريد التي انسحب احد اطرافها الرئيسيين سنة 1979 , اسبانيا الى المربع الاول, ويضعها وجها لوجه امام مسؤولياتها التاريخية التي لا تسقط بالتقادم تجاه مستعمرتها السابقة وشعبها المشرد, ولكن ايضا سيفضح باقي اطراف المؤامرة التي احيكت ضد الشعب الصحراوي في ظرف دولي ملتبس.
لقد اوهم الحسن الثاني حلفائه, بقدرته على طي ملف الصحراء الغربية في اقل من اسبوع, بعد القضاء على المقاومة الصحراوية ممثلة في جبهة البوليساريو, تماما مثلما أوهم الشعب المغربي, بان احتلاله للصحراء الغربية, سيشكل بالنسبة لهم “اللحظة التاريخية” التي انتظروها طويلا, لتعيد للمغرب الاقصى امجاده, وتنهي معاناتهم الى الابد, ف “ابتدع” ما يسمى بالمسيرة الخضراء التي جند لها ما يناهز 350 الف مغربي اكتسحوا حدودها الشمالية بحماسة زائدة.
ورغم ان ما يسمى بالمسيرة الخضراء التي حاول نظام الاحتلال المغربي ان يوهم حلفائه ايضا بانها مسيرة “سلمية”, سيستقبلها الصحراويون بالورود, تثبت الشواهد على الارض انها كانت مسبوقة بجيشه الغازي , الذي اجتاح الصحراء الغربية قبلها باسبوع كامل, وبالتحديد في مثل هذا اليوم من سنة 1975, بغرض توجيه ضربة استباقية للمقاومة الصحراوية, لعزلها عن قواعدها الخلفية, والقضاء عليها باستعمال مختلف وسائل الابادة, ومحاولة اجتثاث فكرها التحرري من خلال حملات الاعتقالات الواسعة التي طالت الوطنيين الصحراويين من مختلف الاجناس والاعمار..
ولكن ايضا لاحراج الحكومة الاستعمارية الاسبانية, المنشغلة بمرض الجنرال فرانكو بالضغط عليها, لحملها على التسليم باحتلاله, و تجاهل ارادة الصحراويين المعبر عنها اثناء زيارة بعثة تقصي الحقائق شهر يونيو1975, و بملتقى بنتيلي بتاريخ 12اكتوبر1975.
وكان تحضير الراي العام المغربي لاحتلال الصحراء الغربية, قد بدا عمليا بتاريخ 8 يوليو1974 ,عندما يئس الحسن الثاني من نجاح محاولاته لحمل الجنرال فرانكو على التواطىء معه باي ثمن, للالتفاف على قرار الامم المتحدة القاضي بتنظيم استفتاء تقرير المصير, من خلال تسليم الصحراء الغربية للمغرب على انها”جزء من اراضيه المغتصبة” .
وقد ورد في كتاب “المعجزة المغربية” ان الحسن الثاني قدم عروضا مغرية للجنرال فرانكو اثناء لقائهما سنة1970 وقال الحسن الثاني انذاك مخاطبا فرانكو ” اذا ارجعتم للمغرب سيادته على الصحراء سنضع رهن اشارتكم قواعد عسكرية في الصحراء لمدة نتفق عليها, تجعلكم تطمئنون على جزر الكناري”واضاف” واذا كانت خيرات الصحراء فوق الارض او في قاع البحر تهمكم, فان المغرب مستعد ليبرم معكم اتفاقا نشترك بموجبه معا في استخراج هذه الخيرات وتسويقها” .
ولم يكن هدف الجنرال فرانكو يصب في مصلحة الشعب الصحراوي, بل كان بدوره يروم الالتفاف على قرار استفتاء تقرير المصير,من خلال تحضيرسناريو ما يسمى ب” الجمعية العامة” التي تضم شيوخ القبائل الصحراوية والتي كان يسعى من خلالها لضمان تزكيتهم للحكم الذاتي تحت السيادة الاسبانية, باعتبارهم ممثلين للارادة الحرة للصحراويين.
لقد دعى الحسن الثاني شعبه انذاك بالقول “لنجعل من هذه السنة – يقصد سنة 1974- سنة تجنيد في الداخل والخارج لنسترجع اراضينا” ووجه تهديدا صريحا لاسبانيا, ان عليها “ان تعرف ان امامها ارادة واحدة وتعرف ان اصدقاء المغرب من عرب ومسلمين وافارقة وغيرهم سيقفون الى جانب المغرب”.
وكان الحسن الثاني الخارج لتوه من انقلابين عسكريين كادا ان يطيحا بعرشه, قد وجد ضالته في الصحراء الغربية, فهي الفضاء الشاسع لتبديد احتقان الجيش, وتصفيه الحسابات مع قياداته الثائرة, وهي ملهمة فكرة الاجماع الوطني حول “مغربية الصحراء” التي شكلت اطار سياسيا مكنه من ترويض المعارضة لحكمه , وحملها مرغمة على احتواء الاحتقان السياسي والاجتماعي والاقتصادي المزمن.
كما وجد في النظام الموريتاني الباحث عن سبيل لوضع حد لاطماعه التوسعية في موريتانيا, شريكا له في المؤامرة’ على الشعب الصحراوي, وطرفا في الصراع, للحد من تاثير موقف الجزائر الرافض للاطماع التوسعية للمغرب على الاجماع العربي, المطلوب لدعم ما يسمى بالمطالب المشروعة للمغرب وموريتانيا في الصحراء الغربية.
وبالرغم من تضافر العوامل السالفة الذكر, لتصب في خدمة اهداف الحسن الثاني وخططه التوسعية, الا ان احتقاره لقوة الشعب الصحراوي, وتجاهله لارادته المعبر عنها, سيقلب فيما بعد حساباته راسا على عقب.
فالبوليساريو التي اعلنت الكفاح المسلح 20 ماي 1973 بعد اقل من 10 ايام على تاسيسها, و صعدت من عملياتها العسكرية النوعية ضد الاستعمار الاسباني, تمكنت في ظرف وجيز من اختراق صفوف الجيش الاسباني بالتحاق اعداد كبيرة من مجنديه الصحراويين بمقاتلي الجبهة بعتادهم, واسر ما يقارب 16 اسبانيا فرض على اسبانيا التفاوض مع البوليساريو من اجل اطلاق سراحهم وفق شروطها, كما تم تعطيل استغلال معدن الفوسفاط بعد العملية الفدائية التي نسفت الحزام الناقل له 20 اكتوبر1974.
وبالتوازي مع انتظام العمليات العسكرية النوعية, عملت جبهة البوليساريو من خلال فروعها المنتشرة على امتداد الجسم الصحراوي, على تاطير الصحراويين ودعوتهم للتجنيد لافشال المؤامرات التي تحاك ضدهم, وهو الحصاد الذي وثقته البعثة الاممية لتقصي الحقائق يونيو1975, التي وجدت ان غالبية الصحراويين يؤيدون استقلال الصحراء الغربية, ويعتبرون جبهة البوليساريو ممثلهم الشرعي الوحيد, مثلما تمكنت الجبهة من سحب البساط من تحت اقدام المستعمر الاسباني, بحل الجمعية العامة وتاسيس الوحدة الوطنية, التي اكدت اجماع الصحراويين على المقاومة بقيادة جبهة البوليساريو.
وبالرغم من ان مرض الجنرال فرانكو المفاجئ واجتياح الجيش المغربي للصحراء الغربية, ووصول ” المسيرة الخضراء” الى مشارفها, قد فرض وضعا جديدا اسفر عن توقيع اتفاقية مدريد اللصوصية, الا ان جبهة البوليساريو التي تدافع عن حق الشعب الصحراوي المشروع في اختيار مستقبله طبقا لقرارات الامم المتحدة, والاستشارة القانونية لمحكمة العدل الدولية16 اكتوبر 1975, واصلت مشوارها بوضع الاسس القانونية لاعلان الدولة الصحراوية بعد انسحاب اسبانيا من الاقليم, وتاسيس الجيش الشعبي الصحراوي الذي اخذ زمام المبادرة وقلب حسابات المحتلين والغاصبين راسا على عقب.
لقد تمكن الاحتلال المغربي من تعطيل استقلال الصحراء الغربية الذي كان وشيكا، واستخدام جيشه الغازي المبعد كاداة لاضطهاد شعبها وابادته وتشتيته وحرمانه من نعمة الامن والاستقرار, لان استقلاله سيكون حافزا للتحرر والانعتاق من اساليب القهر والاذلال, مما سيزيد من عزلة نظام لازال يعيش في زمن القرون الوسطى, تماما مثلما عطل التجسيد الفعلي لتطلعات الشعب المغربي المتعطش للديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم لان ذلك سيكون على حساب حريته المطلقة و رغباته ونزواته ورغبات ونزوات ضيوفه ” الموقرين” وعائلته “الشريفة” وحاشيته “المحترمة “.
فهل سيشرع الباحث الصحراوي المتخصص في النبش عن اطراف المؤامرة التي احيكت ضد الشعب الصحراوي, واعتمادها وسيلة لادانتهم بجرائم الحرب, وداعمة ومجددة للخطاب السياسي والاعلامي الصحراوي الموجه الى المجتمع الدولي بمختلف تشكيلاته, للاسراع في انهاء معاناة الشعب الصحراوي بتمكينه من حقه في تقرير مصيره, من خلال استفتاء عادل ونزيه تشرف عليه الامم المتحدة .

0

يجب ان تسجل الدخول لتتمكن من التعليق