الخميس 24/09/2020

بعد عقد كامل على انبثاقها, أيكون تركيز “انتفاضة الاستقلال” بالعيون المحتلة مكسب مرحلي وخطأ استراتيجي ؟

منذ 5 سنوات في 23/مايو/2015 15

نهلت انتفاضة الاستقلال من منظومة القيم الاصيلة والنبيلة, التي توارثها الشعب الصحراوي جيلا عن جيل, وشكلت اساس وحدته, وقوام هويته, تلك القيم النبيلة التي اثبتت نجاعتها على محك تجربته الطويلة والمريرة مع الغزاة, عبر عقود بل قرون من الزمن, فكلما تصاعدت مؤشرات الشجاعة والاقدام والاستعداد للتضحية في سبيل الكرامة والحرية, برزت مظاهر القوة متجلية في الوحدة والالتحام والتكاتف والتضامن, واندحر الغزاة , وكلما تراجعت مؤشرات تلك القيم النبيلة, برز التخاذل والهوان, وساد الضعف, وكثرت الاطماع.

لقد اقتبست انتفاضة الاستقلال وهجها من تجربة الشعب الصحراوي الحديثة والفريدة, التي برزت ارهاصاتها الاولى مع انتفاضة الزملة التاريخية 1970, لتعكس الوجه الحضاري لشعب رفض الوصاية, ولكنه اراد ان يتمتع بحقه المشروع في اختيار مستقبله بالطرق السلمية.

مثلما استمدت قوتها من تمسكها بمبادئ الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وواد الذهب, التي جعلت من الاستقلال الوطني هدفا يسمو فوق كل الحسابات الضيقة, ومن وحدة الشعب الصحراوي صخرة تتحطم عليها اطماع الطامعين, وخذلان المتخاذلين, ومن الشجاعة والاقدام والصبر والتحمل والاستعداد للتضحية, ميزة للمناضلين الطلائعيين, ووسيلة لتحقيق النصر المحتوم .

كما توجت ايضا اشكال التظاهر السلمي, التي ميزت المناطق المحتلة و جنوب المغرب بشكل خاص, مع بداية تراجع الاحتلال المغربي عن الوفاء بالتزاماته الدولية, بتنظيم استفتاء تقرير المصير بالصحراء الغربية, مباشرة بعد وقف اطلاق النار 6 سبتمبر 1991.

ان العوامل السالفة الذكر مجتمعة , هي التي جعلت من انتفاضة الاستقلال محطة متميزة في تاريخ شعبنا المعاصر, ليس باستقطاب المناضلين الصحراويين, الذين لبوا النداء من مختلف المواقع والمدن الصحراوية, ولكن ايضا بقدرتها على تنظيمهم وتوجيههم لتصنع زخمها القوي, الذي ارعب المتخاذلين والجبناء, واعاد الامل الى النفوس التواقة للحرية و الاستقلال, قبل ان ترتعد له فرائص الاحتلال المغربي, وتتداعى جدرانه وحواجزه الوهمية امام مدها الجماهيري, وقوتها الطلائعية الملتحمة, كاشفة للعالم فظاعة الاحتلال المغربي و جرائمه .

و كان الاحتلال المغربي, قد اخذ منذ بداية غزوه للصحرا ء الغربية 31 اكتوبر 1975 منحيين, خارجي قاده جيشه الغازي, واستهدف المقاومة الصحراوية بكل اشكال الابادة, بما في ذلك استعماله للاسلحة المحظورة دوليا, وداخلي قادته مخابراته بكل اشكالها, التي اكتسحت المدن والقرى الصحراوية, وانغرست في اوساط الصحراويين تحصي انفاسهم, وتشق صفوفهم, باستعمال اساليبها القذرة من تجسس ومداهمات و اختطافات واستنطاقات و تصفيات واغراءات ونعرات, في محاولة منها لمحو الفكر الوطني, واجتثاث الهوية الصحراوية من جذورها, للتاصيل لثقافة الاحتلال المغربي وهويته .

وكانت المدة الزمنية الفاصلة بين تاريخ غزوه للصحراء الغربية, وتاريخ توقيعه على اتفاق وقف اطلاق النار, والمقدرة ب 15 سنة, كافية لعزل المدن الصحراوية عن العالم, وعن بعضها البعض, بل ومحاولة ترهيب العائلات الصحراوية وتفكيكها من الداخل, من خلال التجنيد والتاليب والتفقير والتجهيل والتيئيس .

واذا كان اطلاق سراح 321 مختطفا صحراويا مجموعة قلعة مكونة بتاريخ 12 يونيو 1991, الذي جاء بعد تقرير منظمة العفو الدولية 1990, الذي كشف عن وجود معتقلين صحراويين بمعتقل قلعة مكونةالرهيب, ليندرج في اطار خطوة فرضت على الاحتلال المغربي لاظهار استعداده لتطبيق مخطط السلام الاممي الافريقي 690, قد ساهمت في تحريك البركة الراكدة, بحيث تحولت بيوت المعتقلين الصحراويين المطلق سراحهم الى محج للصحراويين نساءا كانو ام رجالا, شبابا كانو او اطفالا, قادمين من مختلف المدن الصحراوية, لتقديم رسائل الاعتزاز والافتخار باولائك الابطال والبطلات, الذين قدموا انفسهم من اجل كرامة الشعب الصحراوي واستقلاله, فمنهم من قضى نحبه ومنهم من كان ينتظر, وما بدلوا تبديلا .

فانه قد شكل ايضا مؤشرا على فشل سياسات الاحتلال المغربي الترهيبية منها والترغيبية, في احتواء الصحراويين, او النيل من وحدتهم , والتفافهم حول طيلعتهم الصدامية الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وواد الذهب, مما جعله يصاب بصدمة قوية, ويبدا من جديد في اعادة ترتيب اوراقه والرهان على تزوير الاستفتاء او رفضه بالمطلق .

لقد شكل هذا المعطى الرئيسي على الارض, خطوة في اتجاه كسر الحواجز النفسية الرهيبة, التي كانت تخيم على المدن الصحراوية, وعلى العائلات الصحراوية.

وفي أوج هذا الزخم الجماهيري, حملت الجماهير الصحراوية بآسا 1991 في مظاهرة فريدة من نوعها في ذلك الظرف العصيب, شعارات قوية تطالب بجلاء الاحتلال المغربي من الصحراء الغربية, وهي تجوب شارع المدينة الرئيس في تحد صارخ لقوى القمع المغربية, التي تمالكت اعصابها على مضض وانتظرت انتهاء المظاهرة, لتداهم المنازل وتقوم باختطاف العديد من الشبان واقتيادهم الى مخفر الدرك, الا ان العائلات الصحراوية في تحد صارخ لقوى القمع المغربية, داهمت مخفر الدرك وحررت ابنائها المختطفين, باستثناء ثلاثة منهم تم اخراجهم من الباب الخلفي للمخفر, ونقلوا على جناح السرعة الى مدينة كلميم حيث خضعوا للاستنطاق تحت التعذيب, بحثا عن من يكون ورائهم من جبهة البوليساريو, ممن تمكن من التسلل الى قاعدتهم الخلفية.

وهكذا استمر الاحتقان في منطقة كان الاحتلال المغربي يجند ابنائها, ويؤلبهم ضد ابناء شعبهم, لينفجر الوضع من جديد بشكل اقوى واكثر تنظيما في انتفاضة 1992, التي جعلت من مدينة أسا ومن جماهيرها, محجا للصحراويين القادمين من مختلف المدن الصحراوية, وقطع الاحتلال المغربي الشك باليقين, بان رهانه على تفكيك الصحراويين وتجنيد بعضهم ضد بعض, كان رهانا فاشلا, اسقط من بين يديه بصيص الامل المتبقى لديه, لربح رهان معركة الاستفتاء بهامش التزوير.

وبالرغم من ان اشكال التظاهر السلمي, التي ميزت مناطق جنوب المغرب والمدن المحتلة خلال عقد التسعينيات, وبداية القرن الحالي, كانت متفرقة في المكان والزمان, الا انها لم تكن معزولة عن بعضها البعض, بدليل وحدة الشعارات المرفوعة, التي تطالب برحيل الاحتلال المغربي من الصحراء الغربية, وتؤكد ارتباط الجماهير الصحراوية بالجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وواد الذهب, والتقيد بقراراتها وبالتزاماتها الدولية, و التمسك بالوحدة الوطنية كمكسب تاريخي, وبالمشروع الوطني المتمثل في بناء الدولة الصحراوية المستقلة, الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية كطموح مستقبلي .

لقد تجلى تميز انتفاضة الاستقلال وريادتها, في قدرتها على كسر الحواجز النفسية الفاصلة بين الصحراويين, واخراجهم من الدوائر الضيقة التي حاول الاحتلال المغربي حشرهم فيها, فاستعادوا قوتهم الخارقة الكامنة في وحدتهم والتحامهم, واخذوا زمام المبادرة, وكان خلاصهم من كابوس الخوف الذي جثم على صدورهم طيلة سنوات الحرب الظالمة, هو سر افتخارهم واعتزازهم بانتفاضة الاستقلال, ورهانهم عليها لكسب معركتهم المصيرية مع الاحتلال المغربي.

وقد شكلت ملحمة مخيم اكديم ازيكبزخمها الجماهيري وقوتها التنظيمية, رسالة قوية للعالم, وللمتخاذلين والجبناء, بان الشعب الصحراوي اصبح حقيقية تاريخية لا يمكن القفز عليها, لا بالحسابات الضيقة, ولا بالرهانات على النيل من وحدته, و لا بالمماطلات والتسويف, وان ارادته في الحرية والاستقلال, هدف اسمى شق طريقه اليه بتضحيات ابناءه. وسيصل اليه حتما اليوم او غدا.

وبالرغم من تقديرنا للمكاسب الجمة التي حققتها انتفاضة الاستقلال, و اعتقادنا الراسخ بانها تقود في الوقت الراهن معركتنا الوجودية ضد الاحتلال المغربي, الا اننا لا نرى ضيرا في طرح اسئلة نعتبرها جوهرية من قبيل :

ترى ما هي الاسباب الكامنة وراء تراجع زخم الحراك الجماهيري بمدن جنوب المغربان لم نقل خفوته ؟

أ نكون قد قايضنا اهدافا استراتيجية بمكاسب ظرفية و مرحلية ؟

الم تساهم انتفاضة الاستقلال في تعطيل المقاومة السلمية بمختلف المدن الصحراوية, ومدن جنوب المغرب بشكل خاص, باستقطابها للفعاليات السياسية والحقوقية الصحراوية؟

الم يكن تواجدها بالعيون المحتلة تحديدا, سببا في تركيز جهد الاحتلال المغربي العسكري والامني والمخابراتي, لقمعها بشتى الطرق, وتضييق الخناق عليها والحد من هوامش مناورتها؟

  • الم يساهم استقطابها للفعاليات السياسية والحقوقية, في تأجيج الخلافات بينهم, واستغلالها من طرف مخابرات الاحتلال المغربي واذياله, لايقاظ النعرات و تعميق الهوة بين المناضلين ؟
  • واخيرا كيف نعيد للمدن المحتلة , ومدن جنوب المغرب, والمواقع الجامعية, زخمها لتشكل امتدادا لانتفاضة الاستقلال, وسندا لها, على الاقل من خلال تشتيت قوى القمع المغربية وارباكها؟

هذه اسئلة يرى موقع صمود ضرورة طرحها في هذا الوقت بالذات, لفتح نقاش تقييمي لانتفاضة الاستقلال بعد استكمالها لعقدها الاول, من منطلق كونها مكسب تاريخي ورهان استراتيجي يجب المحافظة عليه, لربح معركة الاستقلال ومعركة بناء الدولة الصحراوية المستقلة دولة كل الصحراويين على حد سواء .

0

يجب ان تسجل الدخول لتتمكن من التعليق