الأربعاء 23/09/2020

الفقر والفجوة الاجتماعية في المغرب ملك الفقراء أم المسؤول عن الفقر في المغرب؟

منذ 5 سنوات في 09/أبريل/2015 27

عند النظر من شباك القطار، الذي يُعتبرُ من أكثر القطارات حداثةً في القارة الإفريقية، يقع البصر على أكواخٍ مبنيةٍ من الصفائح المعدنية والبلاستيكية تمتدُّ على طول خط السكك الحديدية بدءًا من مراكش جنوبًا ووصولاً إلى طنجة شمالاً، حيث تتمدد مدنٌ من الأكواخ تسمى “الأحياء العشوائية الفقيرة” داخل المدن الكبرى مثل الدار البيضاء أو الرباط وتتشعب بين مجمعات الأغنياء السكنية في الأحياء وعلى أسطح البيوت في المدينة العتيقة، ولا تمتنع من الظهور حتى أمام الأبنية المهيبة مثل جامع الحسن الثاني بجدرانه المرمرية، بل تستوطن بمحاذاته ببساطة، ولتوخّي الدِّقة لا بد من القول إنَّها كانت قبله هناك.
حتى أنَّ المرء يرى الفقر في ضحكة رجل ثلاثيني ذي فمٍ خالٍ من الأسنان، فالطبابة مسألةٌ مُكلِفةٌ في المغرب لا يستطيع كلٌّ تحمُّلها. ولكنْ ليست طبابة الأسنان وحدها ترفًا إنما أيضًا التعليم والسكن والعمل، بل الحصول على الماء والغذاء والكهرباء أيضًا. خُمس الشعب المغربي يعيش تحت خط الفقر أو يكاد، أي أنَّ 6.3 ملايين إنسانٍ لا يملكون مواد العيش الأساسية المذكورة آنفًا، وذلك وفقًا للمعلومات التي نشرتها كلٌّ من وكالة الاستخبارات الأمريكية في “كتاب حقائق العالم” CIA Worldfactbook والبنك الدولي Weltbank.
هذا وقد تولى الملك شخصيًا الاهتمام بقضية غلاء أسعار كل هذه المستلزمات سنة 2011 وتعهد بتسهيل الحصول عليها في إطار إصلاح دستوري. وقد لُقِّبَ محمد السادس الذي يدعوه الشعب المغربي م6 بـ “ملك الفقراء” قبل هذا الوعد، حيث طلب أنْ يحمل هذا اللقب منذ تولـِّيه العرش سنة 1999. ولم تتأثر صورته كملك الفقراء التي يعنى بها، بحقيقة أنَّه بالفعل من أغنى ملوك العالم بحسب فوربيس Forbes التي قدرت قيمة أملاكه الخاصة بملياري دولارٍ أمريكيٍ في سنة 2007.
لذا لا ينظر إليه الناقدون بوصفه “ملكًا للفقراء” بل “كمسئولٍ عن الفقر”، بحسب ما خلُص ناقد النظام الكاتب عبد اللطيف اللعبي قبل فترةٍ وجيزة قائلاً إن الملك “يدير بلده وكأنَّه يدير شركةً متعددة الجنسيات تهدف لزيادة غنى المساهمين”.
وتدعم الفضائح التي نـُشرت في كتابٍ صدر سنة 2012 حمل عنوان “الملك المفترس” أطروحات اللعبي، حيث توصَّل الكاتبان كاترين غراسييه وإريك لوران إلى الاستنتاج المروِّع بأنَّ الملك ومن حوله يستكسبون من الاقتصاد الوطني المغربي مستخدمين وسائل شبه مافياوية ولا يكادون يهتمون بالمصلحة العامة. ويبدو أنَّ الكتاب قد أصاب وترًا حساسًا لدى العائلة الحاكمة، إذ مُنع من التداول في المغرب منذ صدوره.
ورغم أنَّ الجهات الرسمية قد استثمرت بالفعل بعض المال في مكافحة الفقر وحققت بذلك تقدمًا أيضًا، إلا أنَّ هذا لم يوقف الشكوى المتكررة من عدم تغيُّر الكثير لدى أغلبية المواطنين الفقراء. إنَّ معاينة الاصلاحات الدستورية الملكية التي أجريت سنة 2011 تُبيِّن بجلاءٍ أنَّ الفقر قانونيًا يُشكِّل معضلةً أساسيةً وعميقةً في المغرب، وأنَّ هناك حاجةً لحلولٍ مناسبةٍ لا تحارب الأعراض فقط. ولتجنب حدوث هبّاتٍ على غرار ما حصل في دول الربيع العربي الأخرى تمَّ في سنة 2011 اعتماد إصلاحاتٍ بسرعةٍ قياسيةٍ (خلال أربعة أشهر) غايتها تحقيق الاستقرار في البلاد.
ومنذ ذلك الحين يرِدُ في الدستور على الأقل ذكرُ الحقوق الاجتماعية –مثل الصحَّة والضمان الاجتماعي والتعليم والسكن الملائم، ولكنْ على المواطنين المغاربة مواصلة الأمل بأنْ تسعى حكومةٌ جيدةٌ بالفعل إلى تحقيق حقوقهم الأساسية، وعلى الرغم من إنشاء مجلسٍ اقتصاديٍ ومجلسٍ اجتماعيٍ، إضافةً لزيادة الدعم الحكومي على الأغذية الأساسية وغاز الطهي، إلا أنَّ الدستور لا يكفل هذه الحقوق الأساسية، ما يعني عدم القدرة على المطالبة بها قضائيًا.
يترتب على هذا استمرار خضوع المواطنين العاديين للارتهان التاريخي لرِضى النخبة الموالية للعرش صاحبة الامتيازات المعروفة بـ”المخزن”، كما تترتب عليها الرِّشى التي تحافظ على استمرار النظام وهي جوهر الفساد المتغلغل في كل المؤسسات.
ليس من شأن هذا تقليل حدَّة الفروقات الاجتماعية الواسعة بل زيادتها. هذا تقدير البنك الدولي أيضًا بحسب تقرير له صدر في شهر آذار/ مارس 2014 انتقد فيه حدَّة التَّباين فيما يتعلق بالدخل وتوفُّر المستلزمات الأساسية في المغرب على وجه الخصوص (هنالك ما يسمى “معامل جيني” لقياس درجة عدم المساواة في التوزيع في بلدٍ ما -تنحصر قيمة المعامل بين الصفر كقيمةٍ تُعبِّر عن المساواة المطلقة والعدد واحد كقيمةٍ تُعبِّر عن عدم المساواة المطلقة-، هذا المعامل تمَّ تقديره في المغرب بـ 0.41 سنة 2007 وبذلك يكون المغرب قد تأخر حتى عن دول جنوبي الصحراء الكبرى: مالي وبوركينا فاسو وتشاد).
التفاوت بين المدن الكبرى وضواحيها صارخ، إذ يتركَّز ثلثا الفقراء في المناطق الريفية النائية، كما يواجه سكان الريف تحديات كثيرة في آنٍ واحد: بسبب سوء البنية التحتية لا يجري تزويد أجزاء واسعة في المناطق الريفية على نحو كاف بالمياه والكهرباء، بينما المسافات إلى آبار المياه الجماعية طويلة، والإنتاج الزراعي مرهونٌ بشكلٍ كاملٍ بتوفُّر المياه وكذلك قرار تحديد الفقر أو الغِنى.
ولهذا الأمر عواقب تؤثر على البلد كلِّه حيث تعتبر الزراعة إحدى دعائم الاقتصاد المغربي لأنَّها تشكٍّل نحو 15 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي؛ يضاف إلى ذلك أنَّ شبكة المواصلات ليست موسَّعة بقدرٍ كافٍ، مما يعيق الكثيرين من الأطفال المغاربة من الوصول إلى المدارس.
توضِّح صعوبة الوصول إلى المدارس ومراكز التعليم سبب ارتفاع نسبة الأمِّية في المناطق الريفيَّة في المغرب والتي تفوق عن نسبتها في المراكز الحضرية بأضعافٍ، فعلى سبيل المثال بلغت نسبة الأمِّية 32 بالمائة في مراكش سنة 2004 بحسب المندوبية السامية للتخطيط HCP في المغرب، أما في مناطق الريف المحيطة بمراكش فبلغت النسبة 66 بالمائة، أي أكثر من الضعف. هذا الأمر يطول النساء في الأرياف أكثر من غيرهن، ففي سنة 2012 كانت نسبة النساء اللواتي لا يستطعن القراءة والكتابة تبلغ 72 بالمائة في إقليم الحوز الواقع في منطقة جبال الأطلس جنوبي مراكش.
لا يمكن الإفلات من حلقة الفقر المفرغة إلا بصعوبة، فمشاكل البنى التحتية التي تعيق الوصول إلى التعليم تزيد من التفاوت في التعليم الذي يؤدي بدوره إلى الفقر. وبسبب شحة المياه تصبح المناطق الزراعية المهدَّدة أكثر فقرًا، إضافةً إلى ذلك هناك ما يسمى بـ “هجرة الشباب” الذين لا يجدون في كثيرٍ من الأحيان مخرجًا من الفاقة إلا في السَّعي خلف حظِّهم في مكان آخر، وفي مدينة كبيرة.
بيد أنَّ الجنة المأمولة لا تنتظر القادمين الجدد حتى في المدن الكبيرة، لا سيما عندما يكون تحصيلهم العلمي متدنيًا. وتبلغ البطالة بين الشباب في المدن الكبرى نسبة تصل إلى 35 بالمائة بحسب البنك الدولي. إنَّ التمدين الهائل الذي تشهده أفريقيا بمجملها منذ أعوامٍ يؤدي إلى نموِ مجال الإسكان بشكلٍ عشوائيٍ وإلى التشرُّد.
لا تعالج السياسية المغربية هذه المشكلة حقًا، لا سيما وأنَّها تحارب الأعراض بدلًا من الأسباب. هنالك البرنامج “مدنٌ خاليةٌ من الأحياء العشوائية الفقيرة” منذ عشرة أعوام الذي يهدف إلى بناء مساكنَ شعبيةٍ مموَّلةٍ من الدولة بديلاً من هذه الأحياء. وقد تم اتخاذ قرارٍ بإخلاء الأحياء العشوائية الواسعة تدريجيًا وهدمها دون إبلاغ سكانها والحديث معهم من قبل، لكنَّ سكان مدن الصفيح وبالرغم من الشروط المعيشية القاسية يرفضون اقتلاعهم ببساطة من بناهم وعلاقاتهم الاجتماعية وترحيلهم إلى أماكن أخرى. لذا يقاوم الكثيرون بشرسة، كما حدث في شهر حزيران/ يونيو 2014 أثناء عملية إخلاء “كريان سنترال” أكبر الأحياء العشوائية الفقيرة في قلب الدار البيضاء.

سوزانه كايزر
ترجمة: يوسف حجازي

0
التصنيفات: سلايدرمقالات

يجب ان تسجل الدخول لتتمكن من التعليق