الثلاثاء 20/10/2020

الجزائر والآخرون ..

منذ 5 سنوات في 16/مايو/2015 33

السجالات التي تعرفها الساحة الإعلامية في الوطن العربي ليست اختراعا خاصا بنا ولا عاهة خُلقية (بضم الخاء) نختص بها دون شعوب العالم قاطبة.

فنظم العالم كل تضع في صلب مخططات تجنيد جماهيرها بندا رئيسيا هو خلق اعتزاز قومي، يصل أحيانا إلى مستوى تشنجات شوفينية تتجاوز كل حدود المنطق وكل دوائر المعقول، وهو ما نشهده اليوم في بلاد سقط جُلّ إعلامها إلى أسفل سافلين.

ولعل أوضح الأمثلة على عالمية الأمر دعوات النقاء العرقي التي استند لها أدولف هتلر في إذكاء الروح القومية عند الألمان، وهم يتجرعون تداعيات هزيمتهم في 1919، وصفوفهم ممزقة بين يمين يبكي الماضي، ويسار يستلهم الماركسية، وعناصر طموحة تعمل للوصول إلى السلطة بكل الوسائل.

والغريب أن بلدا آخر لا يمتلك خاصية الوحدة العرقية أو التاريخ المجيد لجأ إلى أسلوب مماثل، وهكذا رفع شعار “المثل الأمريكي” (L’exemple américain) ليكون عنصر تجنيد وتعبئة لشراذم أجنبية، أبادت من السكان المحليين من أبادت، وأضافت من الضحايا الأفارقة آلافا مؤلفة فقدت حياتها في سفن التهريب، التي اختطفت الشباب من قراهم لإقامة أسوأ نظام عبودية عرفه العصر الحديث، بل والعديد من العصور القديمة، وكان هدف التجنيد ومازال استبدال العار التاريخي للعالم الجديد بمزاعم تفوّقٍ، يدعمها التقدم العلمي الهائل والثروات المنتزعة من السكان الأصليين، وبقية سكان المعمورة.

وتشرح نكتة طريفة ذلك عندما قال شرطي في مطار ما، لمسافر أمريكي وهو يرشده إلى ممر العبور: أهل البلد يمرون من هنا، أما أنتم الأجانب فتمرون من هناك، ويجيب الأمريكي: أنا لست أجنبيا، أنا أمريكي.

ويعرف الوطن العربي صورا متعددة من تلك المشاعر، تعتمد في معظمها على التمسك بانتماءات تاريخية مختلفة، أو بإنجازات حضارية متباينة، وتركز أنظمة الحكم على ذلك إلى درجة المبالغة، وتجند كل إمكانياتها من إعلاميين ومثقفين ورجال دين، ويرفع الجميع الشعارات البراقة التي تخدّر وعي الملايين.

وأذكر أنني تجادلت يوما مع مناضل جزائري كان يدافع عن مواقف معينة لنظام الحكم، بالاستناد إلى عظمة الثورة الجزائرية، التي افتكت من قبضة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي أكبر الدول الإفريقية وواحدة من أهم الدول العربية، ودفعت في سبيل ذلك، منذ 1830، ملايين الشهداء، وليس مليونا فقط.

وقلت للمذكور أعلاه أنه ليس في حاجة لتذكيري بأن الثورة الجزائرية هي أعظم الثورات الشعبية في العصر الحديث، وهي رصيد للشعب الجزائري كله، بل ولشعوب الوطن العربي والعالم الثالث أجمع، لكن نظام الحكم، أيّ نظام حكم، لا يستطيع أن يُجسد عظمة الثورة الجزائرية إلا إذا كان وفيا لمسيرتها ولأهدافها، المحلية والجهوية والدوليّة، وحريصا على تحقيق آمال شعبها وحماية مصالحه المشروعة.

وقلت كلاما مماثلا لصديق مصري خلال أزمة الكرة الشهيرة،عندما  راح يُذكرني بعظمة الحضارة الفرعونية، مرددا نفس التعبيرات الشوفينية للإعلام المصري آنذاك، وراح يستعمل الآيات القرآنية ليؤكد عراقة مصر وعظمة تاريخها، وبأسلوب فيه الكثير من المغالطات.

وأحمق من ينكر عراقة التاريخ المصري، وما قدمته الحضارة الفرعونية للإنسانية، غير أن عظمة الحضارة وعراقة التاريخ لا توَرّث ولا تمحو نقائص الحاضر، وأمجاد الماضي مكانها هو متحف التاريخ وأكاديميات البحث العلمي، وقديما حفظنا بيت شعر لا أذكر قائله:

ليس الفتى من يقول كان أبي * إن الفتى من يقول ها أنذا

غير أن مرتزقة الأنظمة يتفننون في ابتكار عناصر الشوفينية، وأحيانا بشكل عبيط وأبله، لكنه يجوز، مع الأسف، على كثيرين، لأن البشر، وليس الغواني فقط، يغرهم الثناء.

ولقد ذكّرت يوما بتعبير تم تسريبه للرئيس أنور السادات، كان يستهدف التقليل من شأن العرب الذين رفضوا ما قام به بطل الحرب والسلام، طبقا لتعبيرات إعلام يبدو أن يجهل معنى الحرب ومضمون السلام، وكان مضمون التعبير أن “مصر لا تنتمي للعرب بل إن العرب هم من ينتمون لمصر، لأن العرب هم أبناء هاجر، وهاجر مصرية”، وهو، كما قلت يوما، تفكير حشاشين، يقوّلون التاريخ ما لم يقله التاريخ، لأن في العرب يهودا (السابرا) وهم أبناء سارة، وفيهم مسيحيون، وهؤلاء كانوا يهودا، وأغلبية العرب من المسلمين الذي لم يغادروا شبه الجزيرة منذ قرون، وعاشوا فيها قبل إبراهيم.

لكن أخطر التوجهات الشوفينية هي تلك التي يلجأ لها نظام حكم معين، يعمل عامدا على خلق الخصوم ثم تشويههم، سعيا وراء تحقيق الوحدة الجماهيرية حوله، وهو خطاب بالغ السوء لأنه يقيم حصون عداءٍ لشعب شقيق أو مجاور، يتخندق الشعب البسيط المُسالم داخلها، ويصبح من الصعب تحقيق أي وئام أو سلام بين شعبين، من المفروض أنهما شعب واحد، أو يكاد.

ولعل هذا هو السر الكامن وراء مأساة المغرب العربي، والمتمثلة في التوتر المغربي الجزائري، وهو توتر زرعت بذوره المُعاصرة مع استقلال المغرب في منتصف الخمسينيات، والذي اضطرت فرنسا لقبوله، للتخلص من جلّ مستعمراتها الإفريقية، لكي تتفرغ لسحق الثورة الجزائرية.

وتم التخلص من عناصر جيش التحرير المغربي، الذين كانوا من خيرة المجاهدين، ومن بينهم من انضم فيما بعد للثورة الجزائرية ليساهم في تحرير الجزائر، كالمجاهد الهاشمي الطود، أطال الله عمره، وكثيرون آخرون ضاعت أسماؤهم من الذاكرة.

لكن الطبقة السياسية في المغرب  لم تكن كلها من رجال جيش التحرير، وهو ما ينطبق أساسا على الزعيم علال الفاسي.

كان الفاسي مثقفا إسلاميا بارزا وخطيبا مفوها متميزا وواحدا ممن أسسوا مكتب المغرب العربي في القاهرة، لكنه لم يرتبط بالكفاح المغربي المسلح، وعندما استعادت المغرب السلطان محمد الخامس وأكدت استقلالها كان على الزعيم أن يجد أطروحة تجمع حوله الجماهير، وهكذا رفع شعار المغرب الكبير ليكون سلاحه في ضمان الأغلبية الشعبية، وكان “مغربه” يضم أجزاء من الجزائر ومالي والصحراء الغربية وكلّ موريطانيا، وتحالف الفاسي مع القصر الملكي متناسيا آراءه حول الديموقراطية، ليضمن لعناصر حزبه التغلغل في جهاز الدولة.

ومع استرجاع الجزائر لاستقلالها بدأت عملية تحريض واسعة النطاق ضدها، كانت خلفيتها الحقيقية النظرة التوسعية التي اعتمدها ساسة المغرب، وكان أسلوبها شوفينية عدائية اعتمدت قراءة مبتسرة لتاريخ المغرب العربي.

وكان الغزو المغربي للجزائر في أكتوبر 1963، والذي رفضته عناصر من أشراف المعارضة، في مقدمتهم المهدي بن بركة، الذي لم يغفر له النظام عدم تأييده لعدوانيته.

وارتكبت الجزائر خطيئة سياسية كبرى عندما أدارت ظهرها للمعارضة المغربية، سيرا على منطق عدم التدخل في الشؤون الداخلية للجيران، واحتراما للدور الكبير الذي قام به الشعب المغربي في دعم الثورة الجزائرية.

لكن هذا الموقف كانت له خلفية أخرى، شرحها لي الرئيس هواري بو مدين يوما، عندما تساءلت عن سبب تجاهلنا للعديد من قيادات المعارضة، فقال: كنا نحمل الودّ لكثيرين احتراما لموقفهم من غزو 1963، لكنني فوجئتُ، يقول الرئيس، بأن الجنرال أوفقير كان يأتيني بعد أيام بمحاضر جلساتِ حوارٍ ضمّت جماعتنا مع معارضين مغاربة، ولهذا أقفلت باباً لأتفادى ما يتسرب منه من ريح يفسد محاولاتنا لضمان الاستقرار في المنطقة.

وكانت الخطيئة الثانية للجزائر أنها لم تتوقف كثيرا لمواجهة الطروحات المغربية التي تواصلت عبر الصحف والندوات الحزبية، وارتكزت على مجموعة من المعطيات المشوهة أو المبتورة أو الزائفة. وكان هذا ما أصبحت الجزائر تواجه آثاره بعد أن تفجرت قضية الصحراء الغربية، والتي تتواصل منذ نحو خمسة عقود.

كان إيمان الجزائريين بالمغرب العربي جزءا أصيلا في حياتهم السياسية، بالمعنى الشامل، فوالد الوطنية الجزائرية مصالي الحاج كان عضوا مؤسسا في نجم شمال لإفريقيا في العشرينيات، وكان بناء المغرب العربي بندا أساسيا في بيان ثورة أول نوفمبر 1954، وكانت أهازيج المغرب العربي تشدو بها حناجر الشباب من كشافة ورياضيين، بل إن جزائر الاستقلال أعطت اسم شارعين رئيسيين في العاصمة لرجلين من عظماء المغرب، هما السلطان محمد الخامس والأمير عبد الكريم الخطابي، وأكثر من ذلك، كان الرئيس الجزائري الأول، أحمد بن بله، يفخر بأصوله المراكشية (واسم المغرب لم يُطلق على المملكة إلا في 1912)

لكن الجزائر كانت تدرك أن قضايا الحدود هي قضايا شائكة، وبدون أن تنكر بأن ظلما كبيرا أحاط بترسيم الحدود في القارة الإفريقية وغيرها، فإنها أدركت بأن حل قضايا الحدود يجب أن يخضع لحوار نزيه وموضوعي، ولم تتردد في الإعلان بأن أي مساس أحمق بالحدود سيجعل منها ألغاما شديدة البطش بكل ما حولها.

ومن هنا التزم النظام الجزائري بما قررته منظمة الوحدة الإفريقية في أديس أبابا عام1963، من ضرورة احترام الحدود الموروثة عند الاستقلال، وهو ما تم تأكيده في القاهرة في العام الموالي، وما تحفظت عليه المملكة المغربية، وقيل يوما أن الأمر يقصد به الاحتلال الإسباني لمدن مغربية، وهو احتلال ما زال قائما.

ولأن الجزائر محاطة بكل من تونس وليبيا شرقا ومالي والنيجر جنوبا وموريطانيا والصحراء الغربية والمغرب غربا، بدأت شيئا فشيئا في حل قضايا الحدود عبر الحوار، وتم ذلك مع كل البلدان المجاورة ما عدا ليبيا، التي جُمد فيها الحوار تجاوبا مع آراء العقيد القذافي، الذي كان يردد أنه لا يؤمن بالحدود، ولكن مع احترام كل طرف للوضعية القائمة.

وكان أهم ما أنجز ترسيم الحدود مع المملكة المغربية، الذي استكملَ معاهدة “لالا مغنية” في 18 مارس 1845، حيث رسمت الحدود يومها من قلعة “عجرود” على ساحل المتوسط إلى “ثنية الساسي”، بطول نحو 140 كلم، وبقيت المناطق الجنوبية دون ترسيم إلى 1972، حيث تم توقيع اتفاقية تشمل كل الحدود بين الجزائر والمغرب، بحضور نحو أربعين رئيس دولة وحكومة إفريقية، وصادقت الجزائر في العام التالي على الاتفاقية، التي كان بها ملحق اقتصادي رئيسي يشمل بناء مصنع للحديد والصلب على شاطئ البحر بملكية مشتركة بين البلدين، يكفل مناصب شغل لمئات العمال المغاربة، ويستثمر الحديد الخام المستخرج من منطقة غار جبيلات، في أقصى الجنوب الجزائري، الذي ينقل عبر التراب المغربي إلى الشمال.

لكن هذا المشروع أجهض، وواصلت قيادات مغربية عملية التحريض ضد الجزائر، التي ظنت أن المشاكل قد تم حلها إلى الأبد، وفيما بعد ادعت تلك القيادات أن الجزائر تطمع في ممر نحو المحيط الأطلسي، وهو هراء يستغل جهل البعض بالجغرافيا، وينسون أن هناك فعلا ممرٌّ عبر التراب المغربي يحمل الغاز إلى إسبانيا، وتستفيد منه ومن عائداته البلدان الثلاثة.

كانت السموم قد فعلت فعلها في الداخل المغربي، والشعب المغربي شعب طيب وكريم، وتلتقي فيه الأصالة الأمازيغية بالنبل العربي، لكن اختفاء الرأي الآخر جعله ضحية الإعلام المشوه، وشيئا فشيئا أصبحت شعارات الأخوة وحسن الجوار طلاءً زائفا يخفي مشاعر عداء واستعلاء، تفضحها الأزمات المفتعلة بين الحين والآخر.

ومنذ عدة شهور تحاورت مع رفيق مغربي في أحد اللقاءات المشرقية، قال لي، بعذوبة كادت تخدعني: أنا ممن يرون، حلا للمشاكل بين بلدينا، أن تتنازل الجزائر عن دعمها للبوليزاريو ويتنازل المغرب عن حقوقه في منطقة “بشار” (في الجنوب الغربي للجزائر) التي أضافتها فرنسا، كما قال، إلى القطر الجزائري، وقلت له بهدوء أن قضية البوليزاريو هي قضية من صلاحيات الأمم المتحدة، وقد استقبل قادتها رسميا في الرباط، ومن جهتي، فلست مضطرا لاجترار التاريخ القديم، الذي لم نعشه لا أنا ولا هو، لكنني أسأله بكل بساطة: كم مغربيا استشهد في سبيل تحرير منطقة بشار من الوجود الفرنسي ؟

لا أحد بالطبع، في حين أن العقيد الجزائري لطفي، ابن وهران، استشهد مع رجاله في منطقة بشار على يد القوات الفرنسية، وقد حاربنا سنوات وسنوات لانتزاع هذه الأرض من الفرنسيين، واستفتي شعبنا فيها على الاستقلال في 1962، وبغض النظر عن ذلك فإن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  قَالَ : ” لَيْسَ الصَّيْدُ لِمَنْ أَثَارَهُ ، إِنَّمَا الصَّيْدُ لِمَنْ صَادَهُ ” ؟.

ومنذ أسابيع كان لي على صفحات رأي اليوم حوار مع أديبة مغربية رائعة، لم تتحكم في ما كانت تختزنه في وعيها الباطن مما سُرّب إليها، فراحت تحدثني عن الصحراء الشرقية المغربية، التي قالت أن فرنسا اقتطعتها من المغرب وضمتها إلى الجزائر.

ولم يكن ذلك جدالا أو مشاكسة، بل كانت تؤمن بما تردده، لأنه زرع فيها منذ طفولتها وربما قبل ولادتها، تماما مثل الرفيق السابق ذكره، ولأن هناك تعتيما على الحقيقة التي تقول أن اتفاقية للحدود الجزائرية المغربية قد وقعت نهائيا في يونيو 1972 بحضور نحو أربعين رئيس دولة وحكومة، وأودعت في وثائق الأمم المتحدة وقضت نهائيا على خرافة الصحراء الشرقية.

وحتى هذه الاتفاقية الدولية وجدنا من يجرؤ على أن يقول عنها، وفي هذا المنبر على وجه التحديد: “اتفاقية 1972 ليست لها قيمة قانونية، على اعتبار أنها لم تخضع للاستفتاء الشعبي”، وكأن ذنب الجزائر أنها لم تطالب الملك الحسن بعرضها على الاستفتاء، على فرض أنه كان سيقبل ذلك، مع أنه رفض إجراء استفتاء حقيقي شفاف في الصحراء الغربية.

ولن أتوقف طويلا عند البكاء على “أموال” الشعب الجزائري التي يذرف البعض دموع التماسيح زاعما أنها لا تنفق في خدمة الشعب الجزائري، ولا عند الادعاءات بأن الجزائر بلاد يحكمها عسكر، ولا حتى التشفي الرخيص في مرض رئيس الجمهورية، الذي كان فرصة ليرى العالم أن الحياة مستمرة في الجزائر، لأن في الجزائر دولة بمعنى الكلمة، رغم كل المشاكل الاجتماعية والأخطاء الإدارية والاضطرابات التي يعرفها الشمال الإفريقي.

ولن أعود إلى أسطوانة التشكيك في التاريخ الجزائري، فليس ذنبنا أن هناك من يجهل ماسينيسا وصيفاقص ويو غورطة وتاكفاريناس ودوناتوس وأبوليوس، وتفاصيل الجمع بين نوميديا وموريطانيا الشرقية، ثم طارق بن زياد بعد الفتح الإسلامي، ثم جهاد البحر الذي استمر ثلاثة قرون ضد الأسبان.

وعلى الناس أن يتصوروا بأن هزيمة شارلكان في خليج الجزائر عام 1451 هو إنجاز قامت به “عفاريت زرق”، وعليهم أن ينسوا كفاح الأمير عبد القادر وأحمد باي في القرن التاسع عشر، وكفاح سلسلة من المجاهدين استمر أكثر من قرن، وسيصدقون من يقول، بأسلوب “ويل للمصلّلين”، بأن الجزائر حصلت على استقلالها بفضل استفتاء نظمته فرنسا، وهو أمر صحيح إذا أضفنا له أن شعبنا اختار الاستقلال رغم أنف الجيش الفرنسي.

وأنا أقول دائما أن الشعب المغربي في مجموعه مظلوم تماما فيما يتعلق بالشنآن مع الجزائر، لأنه، وخصوصا منذ الستينيات، يتعرض لعملية غسل مخ متواصلة، “توّجَها” مؤخرا رئيس الوزراء المغربي، الإسلامي الذي خدعتُ به يوما، والذي ألاحظ اليوم أنه يبدو أكثر شبابا وحيوية بعد أن أنقص حجم لحيته إلى الحد الأدنى.

وهكذا قال السي “بن كيران” أن الجزائر لا تريد فتح حدودها مع المغرب حتى لا يطلع الجزائريون على مدى التقدم والازدهار الذي يعيشه المغرب، (هكذا) وكأننا نعيش في القرون الوسطى، حيث لا أنترنت ولا محمول ولا ويكيبيديا ولا مراسلين أجانب يجوسون خلال كل الديار.

من هنا يبدو من باب المقارنة المسطحة أن يذكرنا البعض بتجربة الوحدة الأوربية، التي كانت قاعدتها السياسية قيام المصالحة التاريخية بين فرنسا وألمانيا، ومن منطلق أن مصالحة جزائرية مغربية ستضمن بناء المغرب العربي، وهو أمر صحيح، لكن المقارنة مع أوربا يجب أن تكون مقارنة كاملة، وما حدث في أوروبا هو أن أحلام الجنس الآري المتفوق قد تبخرت، تماما مثل أطماع المجال الحيوي للألمان في أوروبا، وأطماع الاستيلاء على الألزاس واللورين.

والمشكل أن وحدة أوروبا جاءت نتيجة لحروب طاحنة وهو ما نأمل ألا تعيش منطقتنا مثيلا لها، ومن هنا أنادي دائما بالحكمة والتبصر والنظرة المستقبلية الواعية.

والله يهدينا سواء السبيل.

الدكتور محيي الدين عميمور

كاتب ووزير اعلام جزائري سابق 

0
التصنيفات: سلايدرمقالات

يجب ان تسجل الدخول لتتمكن من التعليق