الدكتورة هند عروب: ” الأوضاع في المغرب إنتقلت من السرعة النهائية القصوى صوب الإنفجار الحتمي لأزماته السياسية والإجتماعية والإقتصادية”.

hind-arob051119

قالت الدكتورة  هند عروب مؤسِّسة “مركز هيباتيا الإسكندرية للتفكير والدراسات، ان المغرب يتجه نحو الانفجار الحتمي بفعل  تفاقم ازماته التي تخنق عامة الشعب وتدفع به صوب الإنتحار، والفساد، ولحريك، والجريمة….

وفي اجابتها عن سؤال كيف تقيمين الوضع في المغرب حاليا؟

قالت  هند عروب في لقاء مع موقع ” اشكاين” المغربي  : إن الأوضاع في المغرب إنتقلت من السرعة النهائية القصوى صوب الإنفجار الحتمي لأزماته السياسية والإجتماعية والإقتصادية، التي باتت تخنق عامة الشعب وتدفع به صوب الإنتحار، والفساد، ولحريك، والجريمة…

المشكل أن النظام الحاكم يعتقد بإطباقه على أنفاس الجماهير، وإخراص أصواتها بالترهيب والتعنيف والتفقير سيخرص الأصوات المنددة بهشاشة الأوضاع، وسيلقن الدروس المباشرة وغير المباشرة لكل من سولت له نفسه الإحتجاج ضد “الحكرة”.

ولكن النظام يجهل أو يتجاهل أن الضغط لن يقبع بالناس في زوايا الصمت، لأن للبشر بيولوجيا تصرخ حين تجوع، أما الأوضاع بلغة الأرقام فنجدها كارثية، إذ حل المغرب في المرتبة 123 بالنسبة لمؤشر التنمية البشرية، أما مؤشر جودة التعليم لسنة 2018 فالمغرب خارج التصنيف، وهو الأمر المخزي، إذ حضرت اليمن في التصنيف رغم ما تعانيه من حروب وفقر، أما بالنسبة لمرتبة المغرب في مؤشر الديمقراطية فنجده بعد المائة، وفي حرية الصحافة إحتل المغرب المرتبة 135.

ففي ظل هذا الوضع المزري يبقى السؤال الذي يطرحه الكثيرون ما هو الحل؟ وهل يوجد حل في الاصل؟ فمن وجهة نظري المشكل ليس في إيجاد الحلول، لأن الحلول موجودة لو أريد تطبيقها، لكن ما الذي نقصده بالحل؟ الأنظمة الشمولية تعلم جيدا أنها إذا منحت حلولا تقوي وتزيد من وعي شعوبها، ستفقد عروشها، لذلك فالأنظمة الشمولية لا تسعى إلى إيجاد حلول، بل تسعى إلى تعميق الأزمات وتجدير الخوف داخل البنية السيكولوجية للشعوب.

إن المشكل الجوهري يكمن في طبيعة النظام السياسي المغربي، الذي لم يستوعب دروس الإنتفاضات والإحتجاجات الوطنية والإقليمية، ليغير منطق حكمه وينتقل من حكم تسلطي إلى حكم تشاركي.

فالريف مثلا يحتج لوحده ولا جهة أخرى من بقاع البلاد ستتضامن بنفس قوة الإحتجاج، وهنا لا أقصد المسيرات الوطنية التضامنية التي عرفتها بعض المدن، فأنا أتحدث عن منطق الإحتجاج في حد ذاته، كما أن جرادة إنتفضت لوحدها، وقبلهما صفرو وسيدي إفني …

أما الأوضاع الجيو إقليمية والدولية فتزيد الطينة بلة، وتزيد الاوضاع إندحارا في الوحل، ولا أحد يدفع ضريبة هذا الإندحار غير المهمشين والمقصيين من عامة الشعب، فحاجة القوى العظمى للأنظمة الدكتاتورية بالعالم العربي، للمشاركة بالحرب على الإرهاب، وصد حملات المهاجرين، والإستمرار في نهب ثروات المنطقة، يسمح لهذه الاخيرة بأن تستمر في التسلط وتزيد من فقر وقهر محكوميها، حتى تديم عروشها، ولو إستوعبت هذه الأنظمة دروس التاريخ لعلمت أن دوام العروش في هناء حياة الشعوب، فالشعوب أبقى من العروش”.

وفي ردها عن سؤال :  المغرب عرف مؤخرا عدة إعتقالات شملت المحتجين والصحفيين، فهل ستساهم هذه الأحداث في إنتزاع المزيد من المكتسبات أم في المزيد من الإنتكاسات؟

ردت  الدكتورة هند , ” هذه الإعتقالات والإحتجاجات في حد ذاتها إنتكاسات، وهذه الأخيرة ستقود على المدى الطويل إلى مكاسب، لكن قراءتها في اللحظة الراهنة، هي تعرية للسياسة العامة المسيطرة في المغرب والمتمثلة في سياسة العنف والعقاب.

ولا ينبغي أن ننسى أول قرار إعتمد بعد اندلاع إنتفاضات العالم العربي، وبعد دسترة “التغييرات” في دستور 2011، كان قرار حماية وحصانة العسكريين، وبالنسبة لي أقرأ أمر صدور أول قانون في ظل الدستور الجديد ينص على حماية العسكريين، كإشارة قوية موجهة للمحتجين وللمغاربة عامة مفادها “إنتبهوا يمكننا أن نطلق الرصاص الحي في أي لحظة وبحصانة تامة”.

هذا بالإضافة إلى أن كمية الإعتقالات والإحتجاجات التصاعدية منذ مطلع سنة 2000، التي تأشر على الأزمة العميقة داخل المجتمع، وأنه لا يوجد حل سياسي جدي لهذه الأزمات، إذ لا توجد أصلا رغبة في وجود حل، فالحكومات والسياسيون مؤجورون لدى الإدارة المخزنية وهم يعلمون ذلك جيدا، أما الشعب وأزماته فلا تصنف ضمن معادلاتهم الحسابية المتعلقة بالكراسي الحكومية والبرلمانية والإستشارية…إلخ

والحقيقة أن هذه الأوضاع الموسومة بالإعتقالات والإحتجاجات، تسقط أقنعة عدم إستقلالية القضاء وعدم عدالة المنظومة القانونية، فما القضاء والقانون في المغرب سوى وجهان لعملة العقاب.

وفي اجابتها عن سؤال ” هل تظنين أن كيفية معالجة الحكومة لبعض الملفات من قبيل ملف مقاطعة المغاربة لمنتوجات إستهلاكية، وموضوع الساعة الإضافية … تزيد من حدة الإحتقان الإجتماعي؟.

اجابت الدكتورة هند ” لا أعتقد أن مهمة الحكومات المغربية، الإهتمام بقضايا وملفات المغاربة، فوظيفتها الأولى والأخيرة تنفيذ الأوامر، فالحكومة مجرد أجير لدى البلاط، تأمر فتنفذ، وهي الواجهة السياسية التي تتلقى غضب وسخط وتهكم الشارع.

وللجواب عن هذا السؤال أفضل أن أقول النظام السياسي الحاكم بدلا من “الحكومات”، لذا لا أظن أن النظام السياسي المغربي يتعامل بروية مع ملفات المطالب الإجتماعية بما فيها مسألة المقاطعة إلى آخره… فالرد دائما ما يكون إما بالقمع أو بالإهمال، لكن الشيء الأكيد أنه بعد حملات المقاطعة والضغط عبر مواقع التواصل الإجتماعي، وتواتر الإحتجاجات، أعتقد أن النظام السياسي اليوم لم يعد يستهين بمختلف الحراكات المطلبية لأنها باتت تقلقه، لذلك صار النظام السياسي هو أيضا يضاعف جرعات العنف الرمزي واللارمزي.

فالأمور إلى الأن تحل فقط بمنطق دوام النظام ومصالحه مع شركائه الأجانب وخدامه المحليين، وهنا أذكر قصيدة أحمد مطر “لمن نشكو ماَسينا؟” والتي يقول فيها في مقطع جد رائع:

“لمن نشكوا مآسينا ؟

ومن يُصغي لشكوانا ويُجدينا ؟

أنشكو موتنا ذلاً لوالينا ؟

وهل موتٌ سيحيينا ؟!

ومنفيون …… نمشي في أراضينا

ونحملُ نعشنا قسرًا … بأيدينا

ونُعربُ عن تعازينا …… لنا .. فينا !!!

إلى أخر القصيدة

وأعتقد أن أحمد مطر، أجمل الوضع بذكاء وبفنية شعرية أيضا، فالمجتمع المغربي اليوم تحت وطأة كل أزماته السياسية والإجتماعية والإقتصادية والإنسانية، بات يعيش أزمة إنسانية وأخلاقية فلم تعد له لا دنيا ولا دين، فحتى وإن كان الدين فإما تعصب أو تجارة، وإن كانت الدنيا فإما فساد أو جريمة، فالناس باتت تنتحر في شهر رمضان، وهو مؤشر قوي لم تهتم له لا الحكومة ولا السياسيين ولا الإعلام المرئي أو المسموع، فلا يوجد أدنى إهتمام لمثل هذه الظواهر إنها مؤشرات خطيرة، تبين إلى أي حد بات المجتمع مريضا، بئيسا، يعاني، ولكنه لا يستطيع أن ينفجر في وجه من تسبب له في هذه الأوضاع، فكل ما يقوم به هو أن ينفجر في نفسه، إما عن طريق الإنتحار أو عن طريق لحريك، أو الفساد.

*

*

Top